لقضاء الحاجات، فلا يليق بها السجع والتَّشَدُّق والاشتغال به من التكلُّف المذموم، ولا باعثَ عليه إلا الرياء، وإظهارُ الفصاحة، والتَّميُّز بالبراعة، وكلُّ ذلك مذموم، يكرهه الشرع ويزجر عنه". اه."
* ولقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المُتَشدِّقين في الكلام هم أبعدُ الناس منه يوم القيامة؛ فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغَضَكم إليَّ وأبعَدَكم منِّي يوم القيامة الثرثارون [1] والمُتَشَدِّقُون [2] والمُتَفَيْهِقُون [3] ) ، قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا"الثرثارون والمُتَشَدِّقُون"، فما المُتَفَيْهِقُون؟ قال: (( المُتَكَبِّرُون ) )؛ (صحيح الجامع: 3260) .
-يقول ابن القيم رحمه الله كما في"الداء والدواء":
"وإذا أردت أن تستدلَّ على ما في القلب، فاستدِلَّ عليه بحركة اللسان؛ فإنه يُطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبَى".
-قال يحيى بن معاذ رحمه الله:"القلوب كالقُدُور، تغلي بما فيها، وألسنتها مَغارفها". اه.
والإنسان إذا تكلَّف الكلام وتفاصَح وتشدَّقَ، فاعلم أنه في قلبه مرَضُ الكبر؛ لأنه يرى لنفسِه فضلًا على غيره ومزية عليه، فيحتقر مَن تقدَّمه، ولا يعلم هذا المسكين أن قلة كلام السلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أرادوا الكلام وإطالته والفصاحةَ فيه ما عَجزوا، غير أنهم إذا ذكَروا عظمة الله تلاشَت عقولهم، وانكسرَت قلوبهم، وقصرت ألسنتهم"؛ (فيض القدير: 4/ 3012) ."
(1) الثرثار: هو كثير الكلام تكلُّفًا.
(2) الْمُتَشَدِّق: هو المتكلِّم بكل شِدْقيه، ويَلوي لسانه، ويتكلَّف في الكلام، فيَلوي به شِدْقيه، أو هو المستهزئ بالناس، يلوي شِدقه عليهم، والشِّدق: جانب الفم"؛ (فيض القدير: 4/ 3016) ."
(3) المُتَفَيْهِق: أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسَّع فيه تكبُّرًا وارتفاعًا وإظهارًا للفضيلة على غيره.