حُكْم السُّخْرِية:
يُفْهَم من نَهْي المولي عز وجل عن السُّخْرِية بأنواعها المختلفة أنها حرام، وأنَّها من الكبائر، يقول الإمام السفاريني رحمه الله في كتابه"غذاء الألباب" (1/ 135) : وتحرم السُّخْرِية والهُزْءُ؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية [الحجرات: 11] ، ولنَهْيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما سيأتي.
أما كونها من الكبائر:
فيدل عليه ما أخرجه الطبريُّ في"تفسيره"، وعبدالرزاق، والخرائطي في"مساوئ الأخلاق" (67) عن طَيْسَلَةَ بن مَيَّاس قال:
"كنتُ مع النَّجَداتِ فأصبت ذُنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرتُ ذلك لابن عمر، قال: وما هي؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر؛ هنَّ تسعٌ (أي: الكبائر) : الإشراك بالله، وقتل نَسَمَة، والفرارُ من الزَّحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحادٌ في المسجد، والذي يَسْتَسْخِرُ [1] ، وبكاء الوالدين مِنَ العقوق، قال لي ابن عمر: أَتَفْرَقُ [2] من النار، وتحبُّ أن تدخل الجَنَّة؟ قلت: إي والله، قال: أَحَيٌّ والِدَاك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألَنْت [3] لها الكلام، وأطعمتَها الطعام لتَدْخُلَنَّ الجَنَّة، ما اجتنبتَ الكبائر".
-والباعث على السُّخْرِية واحتقار الناس إنما هو الكبرُ، وهو من أعظم خصال الشر، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول كما في"صحيح مسلم": (( الكِبْر بطرُ الحقِّ وغمطُ الناس ) ).
فالمُتَكَبِّر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيرِه بعين الانتقاص؛ فيحتقرهم ويزدريهم، وهذا الصنف نذكِّره بحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل الجَنَّةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْر ) )؛ (رواه الترمذي) .
-ويا مَن تسخَر من الناس في الصورة أو الشكل، أُذَكِّرُكَ بقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] .
فالله هو الخالِق البارئُ المصوِّر؛ فليس لصاحب الشكل الدَّميم ذنبٌ فيُعيَّر ويُلام، وليس لصاحب الشكل الجميل فضلٌ أو يدٌ فيُشكَر ويُزَان.
(1) يستسخر: الاستسخار من السُّخْرِية؛ وهو الاستهزاء من إنسانٍ والضحك والإضحاك منه.
(2) أتَفْرَق: الفَرَق هو الخوف والفزع.
(3) ألَنْت؛ أي: خفضت صوتَك، وكلمتها باللطف وعذوبة اللسان.