هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء؛ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القُرَّاء، فنزلَت فيهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] ؛ لأنهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون:"إنما كنا نتحدَّث حديثَ الرَّكب؛ نقطَع به عناءَ الطريق"، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم ما أمره الله به: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] ، فجانبُ الربوبيَّة والرسالة والوحي والدِّين جانبٌ محترم، لا يجوز لأحد أن يعبَث فيه لا باستهزاء ولا بإضحاك ولا بسخرية؛ فإن فَعَل فإنه كافر؛ لأنه يدلُّ على استهانته بالله عزَّ وجل ورسله وكتبه وشرعه، وعلى مَن فعل هذا أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع؛ لأن هذا من النِّفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره ويُصلح عمله، ويجعل في قلبه خشيةَ الله عز وجل وتعظيمه وخوفه ومحبته، والله ولي التوفيق"."
الاستهزاء بالملتزمين والملتزمات وبشرع رب العالمين:
وهذا الأمر ليس وليدَ اليوم؛ بل هو من قديم الأزل، وقد مرَّ بنا الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أمِّ هانئ رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 29] ، قال: (( كانوا يحذفون [1] أهلَ الأرض، ويسخرون منهم ) ).
-وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْلَم الصحابةُ من لَمْز المنافقين والتحقير من شأنهم؛ فقد أخرج البخاري من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه أنه قال:"أُمِرْنَا بالصدقة، قال: كنا نُحَامِل، قال: فتَصَدَّق أبو عقيل بنصف صاعٍ، قال: وجاء إنسان بشيءٍ أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنِيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلاَّ رياء، فنزلت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] ".
-وفي هذا الزَّمان لم يسلَم كلُّ مَن التزمَ بشرع الرحمن، سواء من الرجال أو النساء، فكلُّ مَن أطلق لحيته وامتثل لأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أو مَن لَبِسَت حجابَها طاعةً لربها، فإنه يُستهزَأ بهم، وتُكال لهم التهمُ، وتصكُّ آذانهم بأقذر أنواع السبِّ والشتم، فعلى هؤلاء أن يصبروا على هذا الإيذاء، فهذا أمرٌ لم يسلَم منه الأنبياء والمرسَلون؛ بل تعدَّوا حتى تطاولوا على رب العالمين.
(1) يحذفون: أصل الحذف هو الرمي بحصاة تكون بين الأصابع، والقصد أنهم يحتقرون أهلَ الحق ويسخرون منهم.