-فهؤلاء الذين يسخرون ويستهزِئون من أهل الحقِّ والدين، نُذَكِّرُهُم بقول ربِّ العالمين؛ حيث قال في كتابه الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 29 - 36] .
-وسُئِل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم الاستهزاء بالملتزمين بأوامر الله ورسولِه؟
فأجاب رحمه الله:"الاستهزاءُ بالملتزمين بأوامر الله ورسوله؛ لكونهم التزموا بذلك، مُحرَّمٌ، وخطير جدًّا على المرء؛ لأنه يخشى أن تكون كراهته لهم لكراهة ما هم عليه من الاستقامةِ على دين الله، وحينئذٍ يكون استهزاؤه بهم استهزاءً بطريقهم الذي هم عليه، فيُشبهون من قال الله عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... } [التوبة: 65، 66] ."
فإنها نزلَت في قومٍ من المنافقين، قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون: رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه - أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسُنًا، ولا أجبَن عند اللِّقاء، فأنزل الله فيهم هذه الآية"؛ (المناهي اللفظية: ص 101) ."
-فالمستخف والمستهزئ بالإخوان عديم المروءة:
يقول عبدالله بن المبارك رحمه الله:"مَن استخفَّ بالعلماء ذهبَت آخرتُه، ومَن استخفَّ بالأمراء ذهبَت دنياه، ومَن استخفَّ بالإخوان ذهبَت مروءتُه"؛ (سير أعلام النبلاء: 8/ 408) .
قال بعض الشعراء:
أُحبُّ مكارمَ الأخلاقِ جهدي = وأَكره أن أَعِيبَ وأن أُعَابَا
وأصفحُ عن سبابِ الناس حِلمًا = وشرُّ الناس من يهوَى السِّبابَا
ومَن هابَ الرجالَ تَهَيَّبُوه = ومَن حقر الرجال فلن يُهَابَا
(أدب الدنيا والدين: ص 303) .
وفي الختام: لا بدَّ أن نعلم جميعًا أن السُّخْرِية والاستهزاء بالغير مفتاحٌ للشر، وصاحبها متوعَّد بالويل؛ فقد جاء الحديث الذي أخرجه ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ من الناس مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشرِّ، وإنَّ من الناس مفاتيحَ للشرِّ، مغاليق للخير، فطوبَى لمَن جعل