الصفحة 5 من 57

عاهةٍ في بدَنه، أو غير لبيقٍ في محادثته، فلعلَّه أخلص ضميرًا، وأنقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفته، فيظلم نفسَه بتحقير مَن وقَّرَهُ الله، والاستهزاء بمَن عظَّمَهُ الله"؛ (تفسير القرطبي: 16/ 325) ."

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية:

"ينهى تعالى عن السُّخْرِية بالناس واحتقارِهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في"الصحيح"عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الكبر بطرُ الحقِّ [1] ، وغَمْط الناس [2] ، والمراد من ذلك احتقارُهم واستصغارهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المحتقَر أعظم قدرًا عند الله وأحبَّ إليه من الساخِر منه، والمحتقِرِ له؛ ولهذا قال تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11] ؛ أي: إنه يحتقر الناسَ ويهمزهم طاغيًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة"؛(تفسير ابن كثير: 4/ 212) .

-سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية:

قال ابن عباس رضي الله عنهما:"نزلَت في ثابت بن قيس بن شمَّاس، كان في أذنِه وَقْر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أوسَعُوا له إذا أَتى حتى يجلسَ إلى جانبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتَته من صلاة الفجر ركعةٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابُه مجالسهم منه، فربض كلُّ رجلٍ منهم بمجلسه، وعَضُّوا فيه [3] ، فلا يكاد يُوسِع أحدٌ لأحدٍ، حتى يظلَّ الرجل لا يجد مجلسًا فيظل قائمًا."

فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطَّى رقابَ الناس، ويقول: تفَسَّحُوا، تفَسَّحُوا، ففسَحُوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجلٌ، فقال له: تَفَسَّح، فقال له الرجل: قد وجدتَ مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضبًا، ثم قال: مَن هذا؟ قالوا: فلان، فقال ثابت: ابن فلانة! يُعَيِّرُهُ بها، يعني أمًّا له في الجاهلية، فاستحيا الرجل؛ فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية"؛ (تفسير القرطبي: 16/ 325) ."

(1) بطر الحق؛ أي: إنكاره، والاستنكاف عن قبوله، وردُّه.

(2) غمط الناس: قال ابن الأثير رحمه الله: غمطت حقَّ فلان: إذا احتقرتَه ولم تره شيئًا، ويقال: غمصته: إذا انتقصته وازدريت منه.

(3) عَضُّوا فيه؛ أي: تمسَّك كلٌّ منهم بمجلسه لا يريد أن يبرحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت