الصفحة 11 من 61

معلوم أن البلاغيين جعلوا المتلقي للخبر بين ثلاث مراتب: إمَّا أن يكون خالي الذهن أي لا يعلم عن الخبر شيئًا، أو متردِّدًا في تصديقه، أو مُنكِرًا له وجاحدًا، وبناءً على ذلك قسَّموا الخبر على ثلاثة أقسام هي [1] :

1.الخبر الإبتدائي: هو الذي يُناسب خالي الذهن فلا يحتاج إلى شيء من المؤكِّدات، وهذا النوع من الأخبار تجسد في سورة سبأ موضع دراستنا في كثير من المواطن نكتفي منها بهذا النموذج على سبيل المثال، قوله تعالى: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ) ) [2] فجملة (قل اللهُ) خبرية بغض النظر عن فعل الأمر (قل) ، إنَّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ مكلَّفٌ بمخاطبة الكافرين الذين هم مظنة الشكِّ والجحد، ومع هذا نرى أن الجملة خالية من التوكيدات، بل إنَّ النظم جاء على حذف المسند، ومعلوم أنَّ الحذف في جملته يتنافى مع التوكيد؛ وسبب ذلك أنَّهم لم يكونوا منكرين لحقيقة أن اللهَ هو الذي يرزقهم بدليل قولهم في آية أخرى: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ) ) [3] ؛ فلو جيء بالتوكيد في هذا الموضع لقُيِّدَ النص بقيود الهجنة ولكان ذلك من الحشو، وكلام الله منزَّه عن ذلك.

2.الخبر الطلبي: وهذا الخبر متناسب مع الصنف الثاني من أصناف المتلقين للخبر، وهم الذين يعتورهم الشكُّ والتردُّد؛ لذا يصحب هذا النوع مؤكِّدٌ واحد لدفع هذا التردُّد، ومثاله من سورة سبأ قوله تعالى: (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [4] بعد أن بيَّنا أنَّ الكافرين لم يكونوا يشكُّون أنَّ الله هو الذي يرزقهم، ولكن قضية الغنى والفقر كان لديهم فيها نظر، وذلك بأنَّه قد يكون للحنكة والدراية والدربة دورٌ في تحصيل الرِّزق عن طريق التجارة وغير ذلك، فيدخل العنصر البشري عاملًا في الإثراء وعدمه في تصورهم، ونقيض هذه القضية يحتمل الشك

(1) مفتاح العلوم , يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب (المتوفى: 626 هـ) :1/ 170 ـ 171 , تعليق، نعيم زرزور , دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان , ط 2 , 1987.

(2) سورة سبأ ~ 24.

(3) سورة يونس ~ 31.

(4) سورة سبأ ~ 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت