الصفحة 35 من 61

(( بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) ) [1] .

(( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) ) [2] .

هذه الآيات روعي في تقديم المتعلِّقات فيها مسألة الفاصلة كما ذكر ابن عاشور:"وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ عَلَى يَعْبُدُونَ لِلِاهْتِمَامِ وَالرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ" [3] .

ثانيًا: الحذف والذكر

الناس يعبرون عن مشاعرهم وأغراضهم كلٌّ بلغته، وعادةً ما يكون المنطوق أو المكتوب هو الدَّالُّ على المكنون وراء الضمير، وما هذه الكلمات الظاهرة إلاَّ ترجمةٌ لهذه المشاعر والأغراض الخفيَّة، ويبرز هنا دور الكلمة ودلالتُها في السِّياق، ولكن لو كانت الأفكار لا تتحقق إلاَّ إذا وضعنا أمام كل معنًى كلمةً، لكُبِّلت اللغة بقيود تتابع الكلمات، واحتيج للتعبير عن معنًى بسيط إلى كلامٍ كثير يثقلُ كاهل النَّص، ويُذهِبُ برونق الفكرة، فضلًا عمَّا يُحقِّقُهُ الوضوح من سآمة تقتل الإبداع، وتُوئِدُ روعة التأمُّل في كشف المعنى؛ لذلك مالت اللغات كافَّة إلى الحذف تخفيفًا عن كاهل اللغة، واستحسانًا لوقع الألفاظ في كشف المخفي، وللغة العربيَّة القِدْحُ المُعلَّى من ذلك؛ ما دفع النحرير ابنَ جِنِّي لعقد فصل في كتابه (الخصائص) سمَّاهُ (من شجاعة العربية) وقال:"اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف" [4] ، والحذف فيه من المزايا التي يعجز الكلام عن وصفها؛ لما يحقِّقه من لمسات فنيِّة تنأى بك عن حمأة المباشرة

(1) سورة سبأ ~ 41.

(2) سورة سبأ ~ 42.

(3) التحرير والتنوير: 22/ 222, 225.

(4) الخصائص أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392 هـ) : 2/ 362 , ط 4 , الهيئة المصرية العامة للكتاب , د ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت