وهذه الآية أيضًا مرَّت علينا في موضوع الإسناد الخبري، والآن ننظر إليها من زاويةٍ أخرى، وهي زاوية التخصيص الحاصل بتقدم المسند إليه (هو) على المسند الفعلي (يخلفه) ، وبما أنَّ الموضعَ هنا موضعُ حثٍّ على الإنفاق، كان لا بُدَّ من زرع بذور القوَّةِ فيهِ والتأكيد على حسن الجزاء الذي ينتظر المنفقين، فجاء النظم بتقديم المسند إليه، على المسند الفعلي، وهذا يفيد العنايةَ والتخصيص؛ لأنَّهُ من باب تقدُّم الفاعل (في الحقيقة) على الفعل، فحقُّ الفاعل التأخر عن فعله ولا يتقدَّم عليه إلاَّ لمزْيَةٍ يُريدُ المتكلِّمُ إثارتها وهي هنا (التخصيص) ؛ لأن المُخاطب لمَّا يعلم أنَّ الذي يُخلِفُ ما يُنْفَقُ هو الله، سيكون ذلك حافِزًا له على المسارعة في صنع هذا المعروف، ومن أكرمُ من الله وأبرُّ، وهو خيرُ الرَّازقين؟.
• (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) ) [1] .
تحقق في هذه الآية الكريمة دلالة التخصيص كذلك من خلال تقدُّم المسند إليه (ربِّي) على المُسند الفعلي (يقذف) ، وهذا ـ كما هو معلوم ـ يُفيدُ الإختصاص والإهتمام، يقول ابن عاشور:"وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ دُونَ التَّقَوِّي لِأَنَّ تَقَوِّيَ الْجُمْلَةِ حَصَلَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. وَهَذَا الِاخْتِصَاصُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ مِنْ مَعْنَى: النَّاصِرِ لِي دُونَكُمْ فَمَاذَا يَنْفَعُكُمُ اعْتِزَازُكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ" [2] .
2.تقديم المُسند: هو حكم يُسند إلى المُسند إليه؛ لذا حقُّه التأخير، فإذا تقدَّم كان ذلك إنزياحًا يحمل في طيَّاته مبرِّرات تقدُّمِهِ، فإذا فقد هذه المُبرِّرات، كان تقدُّمُهُ ضربًا من العبث والفساد، يذهب بروح المعنى، ويُخمِدُ جذوة الفكرة، ولنأخذ هذه النَّماذِجَ من سورة سبأ:
• (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ) [3] .
(1) سورة سبأ ~ 48.
(2) التحرير والتنوير: 22/ 238.
(3) سورة سبأ ~ 1.