الصفحة 32 من 61

لقد جاءت طريقة النظم عجيبة في هذه الآية الكريمة، حيث افتُتحت السورة بصيغة المسند إليه ثم المسند (الحمد لله) على الترتيب الطبيعي، لمَّا كان الحمد هنا في الحياة الدُّنيا، في حين تغير النظم بتقديم المُسند على المسند إليه في قوله: (وله الحمد) لمَّا كان ذلك في الآخرة، وسرُّ ذلك يبيِّنُهُ لنا ابن عاشور في هذه اللطيفة:"وَفِي هَذَا التَّحْمِيدِ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالِ الْغَرَضِ مِنَ السُّورَةِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، أَيْ لَا حَمْدَ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا لَهُ، فَلَا تَتَوَجَّهُ النُّفُوسُ إِلَى حَمْدِ غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ فِي عَالَمِ الْحَقِّ فَلَا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الصُّوَرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَإِنِ اقْتَضَتْ قَصْرَ الْحَمْدِ عَلَيْهِ تَعَالَى قَصْرًا مَجَازِيًا لِلْمُبَالِغَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَوَّرَةِ الْفَاتِحَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَمْدَ غَيْرِ اللَّهِ لِلِاعْتِدَادِ بِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَلَمَّا شَاعَ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأُرِيدَ إِفَادَةُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ حَقِيقَةً غُيَّرَتْ صِيغَةُ الْحَمْدِ الْمَأْلُوفَةِ إِلَى صِيغَةِ (لَهُ الْحَمْدُ) لِهَذَا الِاعْتِبَارِ" [1] ، فتقديم المُسند هنا لِإفادة الحصر، أي أنَّ الحمدَ مقصور عليه ـ سبحانه ـ في ذلك الموطن، وهذا متأتٍ من طبيعة معنى الملكيَّة المرتبطة بـ (لام) الملك المتصلة بضمير الجلالة (له) ، فلمَّا تقدَّمت صار لها الإهتمام؛ فكان حصر الحمد به أقوى لهذين الاعتبارين.

(( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) ) [2] .

(( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ) ) [3] .

في الآيتين الكريمتين تقدَّم المسند (لهم) على المُسند إليهما (مغفرة) و (عذاب) على التوالي، كذلك لإفادة معنى الحصر والقصر، فكلُّ واحدٍ من هذين الصنفين مقدَّمٌ، فأهلُ المغفرةِ مقدَّمون في الخير، وأهلُ العذاب مُقَّدمون في الشرِّ، وتقدُّمُ كُلٍّ منهما إقتضى تقدُّم المُسند على المُسندِ إليه لإفادة حصر الثواب والعقاب بكلٍّ منهما، وهذا ما يقتضيه الحال في هذا المقام.

ومواضع تقديم المُسند كثيرة نكتفي بتحليل ما سبق، ونورد الباقي من غير تعليق:

(1) التحرير والتنوير: 22/ 136.

(2) سورة سبأ ~ 4.

(3) سورة سبأ ~ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت