والتردُّد، لذا أحتيج في هذا المقام إلى تأكيد واحد بالحرف المُؤكِّد (إنَّ) ليدفع ما قد يُوهمهم خلاف ذلك، وهو أنَّ الذي يُغني ويُفقر هو الله وحده ولا دور للعنصر البشري في ذلك من قريبٍ أو بعيد، وهذه القضية لا تنافي الأخذ بالأسباب في تحصيل الرزق.
3.الخبر الإنكاري: وهو الذي يُلقى على المنكر الجاحد؛ لذا يحتاج إلى أكثر من توكيد كي يُبطل هذا الإنكار فعلى قدر تصور المتلقي يكون الخطاب من حيث التوكيد أو عدمه وخير مثالٍ نضربُهُ لذلك من سورة سبأ قوله تعالى: (( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) ) [1] في هذه الآية ينكر الكافرون مجيء الساعة، وهذا نقض لأقوى عُرى الإيمان بالله، فالذي ينكر الساعة لاشكَّ يُنكر البعث والنشور الذي سيقع في هذا اليوم للحساب والجزاء على الكفر والإيمان، فلما كان هذا التصريح جريئًا من قبل الكافرين كان الرد قويًَّا يتناسب وعظم هذا الإنكار، فنلاحظ أنَّ الآية الكريمة احتوت على عدَّة توكيدات أوَّلها كلمة (بلى) وهو حرف جواب مختصٌّ بإبطال النفي، ثانيها القسم بالرَّبِّ مضافًا لضمير النبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ ليدُلَّ على شِدَّة القسم [2] ، وثالثُها لام التوكيد في الفعل (لَتأتينَّكم) ، وأخيرًا نون التوكيد الثَّقيلة، فتحقق لنا بذلك أربعةُ توكيدات مسوقةٌ جميعُها لأثبات مجيء الساعة وإبطال تصور هؤلاء إبطالًا لا يقوم معه إثبات، والتوكيد هنا ليس لإقناعهم بذلك بل لترويعهم يقول ابن عاشور:"وَأَكَّدَ مَا اقْتَضَاهُ بَلى مِنْ إِثْبَاتِ إِتْيَانِ السَّاعَةِ بِالْقَسَمِ عَلَى ذَلِكَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثِقَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِأَنَّهَا آتِيَةٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِإِقْنَاعِ الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ يُرَوِّعُ السَّامِعِينَ الْمُكَذِّبِينَ" [3] .
(1) سورة سبأ ~ 3.
(2) روح المعاني:11/ 280.
(3) التحرير والتنوير:22/ 139.