للجملة العربية أنماطٌ مثالية حدَّدها علماء النحو، أي أنَّ لكلِّ مفردةٍ مكانها المعهود الذي ينبغي أن تكون فيه، وهذا الترتيب مستنبطٌ من استقرائهم للنظم العربي، لكن ـ أحيانا ـ يخرج النظم عن هذه الأنماط المثالية، فتتبادل المفردات مواقعها؛ لذلك نجد معظم مباحث النحاة مذيَّلةً بمبحث يتحدَّث التقديم والتأخير، ورصدُ النحاةِ لهذه الظاهرة على سبيل صحّة الأسلوب وخطئه، لا على سبيل تتبع مواطن الجمال والقبح فيه، ومن حيث ينتهي عمل النحوي يبدأُ عمل البلاغي، حيث يعمد إلى التأمُّلِ فيما تُثيرُهُ هذه الإنزياحات من إشعاعات فنيةٍ وجمالية، ويربطها مع سياق المقام ليحكم عليها: أ وافقت مقتضى الحال فأصابت كبد الهدف المنشود من النظم أم فقدت المسار الصحيح فضلَّت طريقها فَضَلَّ معها المعنى المقصود؟
ومن هذا المنعطف نعلم بأن ليس كل تقديمٍ وتأخير صحيحًا ـ في نظر البلاغي ـ وإن كان التقديم والتأخير صحيحاًُ ـ في نظر النحوي ـ، وبتعبيرٍ آخر: فإنَّ ما صحَّ بلاغيًَّا صحَّ نحويًَّا، ولا ينعكس، وحسب القاعدة التي سرنا عليها فإنَّ البلاغة تبحث عن المخالف للمعهود؛ لترى سبب خروجه عن هذا المعهود، ومن أبرز ميادين هذا الباب هو باب التقديم والتأخير، فتقديم ما حقُّه التأخير، وتأخير ما حقُّه التقديم، يجب أن يكونَ وراءه سبب وجيه يؤهِّلُه أن يرتقيَ سُلَّمَ الذوق الرفيع، والنسج البديع، الذي معه تنشرح النفوس، وتُضاءُ البصائر بنور البيان، يقول عبد القاهر الجرجاني عن هذا الباب:"هو بابٌ كثيرُ الفوائد، جَمُّ المَحاسن، واسعُ التصرُّف، بعيدُ الغاية، لا يَزالُ يَفْتَرُّ لك عن بديعةٍ، ويُفْضي بكَ إِلى لَطيفة، ولا تَزال تَرى شِعرًا يروقُك مسْمَعُه، ويَلْطُف لديك موقعُه، ثم تنظرُ فتجدُ سببَ أَنْ راقكَ ولطفَ عندك، أن قُدِّم فيه شيءٌ، وحُوِّل اللفظُ عن مكانٍ إلى مكان" [1] .
(1) دلائل الإعجاز: 1/ 106.