الحمد لله محيي القلوب بأسرار معرفته، كما أحيا الأرض البوار بغيث رحمته، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وأفصحِ من نطق بالعربية، سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى، وبدور الدُّجى، وبعد:
علم المعاني علمٌ جليل، ومقامُه مقامُ عظيم بين أصناف العلوم، فتميُّز القول، وبلاغة الكلام، وروعة البيان راجعةٌ اليه ابتداءً، أمَّا علم البيان، والبديع، فهما كالوشي على أصل الثوب، حيث لا يمكن تصوُّرُ وشيٍ من غير ثوب، فالثوب هو علم المعاني، والوشيُ مكملٌ له، يبدأ من حيث ينتهي الأصل، والكلُّ صار متيقِّنًا أنَّ طريقة نظمِ الكلام هي التي تحمل بذور خلودهِ، وسحر تأثيرهِ، من تقديمٍ وتأثير، وحذفٍ وذكرٍ، وإيجازٍ وإطنابٍ، ووصلٍ وفصلٍ، كلُّ ذلك متزامنٌ مع ظروف إنتاج ذلك الكلام، وسياق المقام، الذي تعارف عليه أهل هذه الصنعة باسم مقتضى الحال، وهل الجمال، والرَّوعة إلاَّ هذا.
ومن فضل الله علينا أن هيَّأ لنا فرصةً طيِّبةً على يدِ شيخنا الفاضل وأستاذنا الكريم، الدكتور أحمد فتحي أن كلَّفنا بالقيام بتطبيق مفردات علم المعاني على سور من كتاب الله الكريم، إختارها لنا، وكان نصيبي سورة سبأ، فقمت بمراجعة السورة مُراجعةً دقيقةً، متأمِّلًا سياقاتِها، واقفًا على سبب نزولها، وبعدها عمدتُ على جرد ما ظهر لنا أنَّه ينضوي تحت مسمَّى علم المعاني، فمنه ما توصَّلنا إليه بنفسنا، ومنه ما توصَّلنا إليه عن طريق التفاسير، وكتب البلاغة، وبعد ذلك صنَّفتُهُ حسب ترتيب هذا العلم وأبوابه، ثمَّ بدأنا بمُراجعة التفاسير المعنيَّة بالتنويه على هذه الفنون، وتعلِّق على مُلابساتِها، وكان