هذا جوابٌ عن سؤالهم؛ لانَّهم كانوا يعلمون من خلال محاوراتِهم مع النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ وبكينونة هذا اليوم، ولكنَّهم يجهلون وقته، فجاء الجواب تأكيدًا على وقوعِه، يقول الزمخشري:"فإن قلت: كيف انطبق هذا جوابا على سؤالهم؟ قلت: ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتا، لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم. فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدّما عليه" [1] ، ويقول الالوسي:"ولما كان سؤالهم عن الوقت على سبيل التعنت أجيبوا بالتهديد، وحاصله أنه لوحظ في الجواب المقصود من سؤالهم لا ما يعطيه ظاهر اللفظ ... وقال الطيبي: هو منه سألوا عن وقت إرساء الساعة وأجيبوا عن أحوالهم فيها فكأنه قيل: دعوا السؤال عن وقت إرسائها فإن كينونته لا بدّ منه" [2] ، وقال أيضًا:"وقالوا: َ مَتى هذَا الْوَعْدُ بطريق الاستهزاء" [3] ، ونحن نلمح ـ فضلًا عن الإستهزاء ـ دلالة الإستبعاد والإنكار، كأنهم يقولون: لا يمكن أن يأتي هذا اليوم أو يتحقق.
5.النداء:"هو طلبُ المتكَلم إقبال المخاطب عليه بحرف نائب مناب «أنادي» المنقول من الخبر إلى الانشاء - وأدواته ثمان الهمزة، وايّ، ويا، وآي، وأيَا وَهيا، ووا" [4] ، وعرَّفه صاحب الكلِّيَّات بقوله:"هُوَ إِحْضَار الْغَائِب، وتنبيه الْحَاضِر، وتوجيه المعرض، وتفريغ المشغول، وتهييج الفارغ" [5] ، وكما هو الحال في باقي أساليب الإنشاء فإنَّ البلاغي يبحث عن الإنزياح المخالف للمألوف كيما ينسج منه بردة الجمال، ويصوغ منه قلادة الإبداع، فإذا تفلَّت النداءُ من ربقة المألوف فقد دخل في فضاء الإنزياح، وهو فضاء رحب لطيف المسالك، دقيق المرامي.
(1) الكشاف: 3/ 583.
(2) روح المعاني:11/ 318.
(3) روح المعاني:11/ 318.
(4) جواهر البلاغة /89.
(5) الكليات , معجم في المصطلحات والفروق اللغوية , أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094 هـ) / 906 , تح. عدنان درويش - محمد المصري , د ط , مؤسسة الرسالة - بيروت , د ت.