فَرَّعَ لِلتَّكْذِيبِ الْخَاصِّ عَلَى التَّكْذِيبِ الَّذِي هُوَ سَجِيَّتُهُمُ الْعَامَّةُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي مَعْنَى: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" [1] ."
والموضع الآخر الذي تضمن معنى التقرير، قولُه تعالى: (( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ) ) [2] .
الله ـ عزَّ وجلَّ ـ يعلم أنَّ هؤلاء كانوا يعبدون الملائكة فهو الذي (( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) ) [3] ، فالسؤال هنا لإفادة معنى التقرير المُرادِ منه تقريع المشركين وتبكيتهم، بما يقوِّم الحُجَّة عليهم، يقول الزمخشري:"هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر: إيّاك أعنى واسمعي يا جاره ونحوه قوله تعالى: (( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [4] ، وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا، فيكون تقريعهم أشدّ. وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم: وهو أنه ألزم، ويكون اقتصاص ذلك لطفا لمن سمعه، وزاجرا لمن اقتص عليه" [5] .
ومن مواضع الاستفهام التي تضمَّنت معنى التقرير قوله تعالى: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ) [6] .
-الإستهزاء: تجسد في قوله تعالى:
(( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) ) [7] .
السؤال هنا ليس على حقيقته بدليل الجواب الذي أمر اللهُ نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن بِأن يُلقيَهُ على أسماعهم: (( قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ) ) [8] ، لم يُجب الرسول ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ بتحديد اليوم أو بعدم معرفته، ولم يكن
(1) التحرير والتنوير:22/ 230.
(2) سورة سبأ ~ 40.
(3) سورة غافر ~ 19.
(4) سورة المائدة ~ 116.
(5) الكشاف:3/ 587 ـ 588.
(6) سورة سبأ ~ 24.
(7) سورة سبأ ~ 29.
(8) سورة سبأ ~ 30.