وقد قسّم البلاغيون التقديم والتأخير إلى ثلاثة أقسام هي [1] :
2.تقديم المسند.
3.تقديم متعلِّقات الفعل.
ونأتي الآن إلى تطبيقات هذا الباب في سورة سبأ:
1.تقديم المسند إليه: المسند إليه في الأصل يكون متقدِّمًا على المُسند؛ لأنه محكومُ عليه، والمسند بمثابة الحكم له، لكن إن كان هذا التقديم ينطوي على نكت ولطائف سيكون له مكان في مباحث علم البلاغة، وقد تحقَّق ذلك عندنا في ثلاثة مواضع هي:
• (( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ) ) [2] .
تحدَّثنا عن هذه الآية، في موضوع الإستفهام، ولا نُريد أن نُطيل الوقفةَ معها هنا، فقط نُشير إلى أنَّ الموقف هنا لمَّا كان موقف حساب وعقاب، أراد هؤلاء أن يدرؤوا عن أنفسِهم كلَّ ما من شأنهِ أن يُرديهم في قعر الجحيم، لذا استخدموا هذه الصيغة في ردَّ الكلام الموجَّه إليهم: أ نحن صددناكُم عن الهُدى؟ الذي يُفيد تخصيص المسند إليه بالمُسند، فعلى قدر شدة التصاق الحكم بالمُسند إليه في مثل هكذا مواضع، يكون انفِكاكُهُ عنه إن جاء في سياق النفي، ولمَّا كان السياق هنا سياق إستفهام إنكاري، كان في قوَّة النفي، كما يقول ابن عاشور:"وَأَتَى بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي سِيَاقِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الَّذِي هُوَ فِي قُوَّةِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ: مَا أَنَا قُلْتُ هَذَا" [3] ، فجاء النظم على أفخم ما يكون حيث جمع بين الإستنكار الذي لا يتحققُ بالنفي المًجرَّد، ونفي الإختصاص الحاصل من صيغة الإستنكار.
• (( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ) [4] .
(1) يُنظر علوم البلاغة , «البيان، المعاني، البديع» , أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: 1371 هـ) / 101 , د ط , د ت.
(2) سورة سبأ ~ 32.
(3) التحرير والتنوير: 22/ 206.
(4) سورة سبأ ~ 39.