الصفحة 53 من 61

أولًا: التعريف والتنكير

ظاهرتان نحويَّتان، واتصالُهما بعلم النحو أشدُ من اتصالِهما بعلم البلاغة؛ لأن مجالهما في علم النحو أوسع منه في علم البلاغة؛ ولشدَّة ارتباطِ هذين المصطلحين في أذهان الناس بعلم النحو، والتعريف هو ما دلَّ على معيَّن، والتنكير بعكسه، ما دلَّ على غير المعيَّن، والمعارف هي: المعرَّف بـ (أل) ، والأعلام، والضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والمضاف إلى هذه الأصناف الخمسة.

أما دور البلاغة في هذين المصطلحين فيكمن ـ كما هو شأن البلاغة ـ في رصد الإشعاعات المتولَّدة عن موضع كُلِّ استخدام لهما، فبلاغة المعاني لا تنظر إلى التركيب نظرةً عابرةً، من دون أن تُحدِّدَ مواطن القوة والضعف الكامن وراء كلِّ موضع من مواضع الكلمات الواردة في التركيب، ثُمَّ تسجيل جهة الفنيَّة، وأين تحقَّقت هذه الجهة؟ في التقديم والتأخير أم في الحذف والذكر أم في الإستفهام، أم في التعريف والتنكير .. أم .. أم؟ فموطن رفعة النص يكمن في زاويةٍ من زوايا التركيب، والفضل يعود لجهةٍ واحدة، وإذا بالغنا فلجهتين، ونادرًا ما يكون لأكثر.

نأتي إلى التطبيقات في سورة سبأ:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ) [1] .

أُفتتحت السورة بكلمة الحمد؛ ثناءً على الله فلمَّا كانت ملكية السموات والأرض وما فيهما عائدةً له ـ سبحانه ـ وأنَّه هو خالقُها ومُدبِّرُها؛ اقتضى ذلك أن يكون الحمدُ مشتملًا على كمال الثناء؛ فجاء به مُعرَّفًا بـ (أل) الجنسيَّة، التي تستغرق جميع أوصاف ذلك الجنس المُعرِّفة له، فلا يخرج عنها شيءٌ، كقوله تعالى: (وخُلقَ الإنسانُ ضَعِيْفًَا) [2] ، أي: كُلُّ

(1) سورة سبأ ~ 1.

(2) سورة النساء ~ 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت