الصفحة 10 من 61

الأوَّل الإيمان والثاني الشك، والشك مستلزمٌ للكفر، فلمَّا كان الإيمان طارئٌ على كفرهم السابق المُتأصل في نفوسهم ولا يأتي إلاَّ بمعاجلة وتجدُّد وحدوث ناسب أن تأتي صلة هذه الطائفة بالصيغة الفعلية، في حين نرى صلة الطائفة الثانية هي الصيغة الإسمية؛ لانَّ الشَّكَّ هو الأصل أمام فكرة الآخرة والبعث بعد الموت وهذا أمر متأصِّلٌ في نفوسهم فكان مقتضى الحال أن يكون بصيغة تدلُّ على الثبوت.

3. (( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) ) [1] ، الملاحظ على هذه الآية الكريمة أنَّ خبر المبتدأ (الظالمون) جاء اسمًا (موقوفون) ، في حين أنَّ الحال جاء بصيغة الفعل (يرجع) فالمتأمل لسياق الحال يجد أنَّ النظم القرآني كان معجزًا في رصده وموافقته لمقتضى هذا الحال، كما نتلمَّس دلالات وظلالًا يوحيها لنا هذا السياق حيث يكشف لنا عن طول مدة الوقوف في ذلك اليوم مذهولون (( لا يرتدُّ إليهم طرفهم وأفئدتُهم هواءٌ ) ) [2] وهذا المعنى مستوحى من الصيغة الاسمية للمسند (موقوفون) الذي يدلُّ على الثبوت والملازمة، فلما انتقل السياق القرآني لرصد تحاورهم فيما بينهم وكيف يلوم بعضهم بعضًا جاء بصيغة الفعل (يرجع بعضهم إلى بعض القول) والفعل هنا لا يُنافي الوقوف الطويل بل يضفي عليه نوعًا من التصوير المرعب الذي يخلع القلوب من مخادعِها، ويكثِّف حالة الذعر والضجر الشديد الناتجة عن جهل المصير في موقفٍ يعلمون أنَّهم مسؤلون فيه عما كانوا يعملون، وجاء الفعل بصيغة المضارع لمحاكاة ذلك الحدث في ذلك الموقف الرعيب، فكان النظم القرآني آية في الإعجاز والفخامة والروعة وهو يصوِّر هذا الموقف، يقول ابن عاشور:"وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (( يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) ) [3] " [4] .

(1) سورة سبأ ~ 31.

(2) سورة إبراهيم ~ 43.

(3) سورة هود ~ 74.

(4) التحرير والتنوير: 22/ 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت