من لطائف وأسرار، ونتيجة لاستقراء كلام العرب وجدوا أن الجملة الإسمية تدلُّ على الثبوت والإستقرار، بينما تدلُّ الفعلية على التجدُّدِ والحدوث [1] .
وقد تحقق لدينا في سورة سبأ من هذا الإسناد نماذج نسوق منها:
1. (( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ) [2] نلاحظ أن الآية تعالج شيئين معروفين بطبيعتهما هما (الحقُّ) و (الهداية) وطبيعة الحق ثابت متكاملة لا تحتاج إلى تجزؤ ومعالجة، بينما قضية الهداية بطبيعتها تحتاج إلى معالجة وحدوث حتى تصل إلى مستواها المطلوب وتستقر في النفس؛ لذا جاء النظم في هذه الآية ملبيًا مطالب كلٍّ من الطبيعتين فـ (الحق) جاء بصيغة الاسم الذي يدلُّ على الثبوت المناسب له، في حين جاءت الهداية بصيغة الفعل (يهدي) المضارع ليفيد تجدد ذلك وحدوثه مرة بعد أخرى في كلِّ زمان ومكان، يقول ابن عاشور:"وَالْعُدُولُ عَنِ الْوَصْفِ إِلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِإِشْعَارِهَا بِتَجَدُّدِ الْهِدَايَةِ وَتَكَرُّرِهَا" [3] .
2. (( وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) ) [4] لدينا في هذه الآية صلتان (مَنْ يؤمن) و (مَنْ هو منها في شكٍّ) الأولى جاءت على صيغة فعلية (يؤمن) والثانية جاءت على صيغة إسمية (هو منها في شكٍّ) يقول الآلوسي:"وكان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها وعدل عنه إلى ما فيه النظم الجليل لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد، وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت" [5] ، هذه الآية الكريمة صوَّرت ـ وبدقَّة ـ طبائع الناس الذين جاءهم النذير من الله، فلمَّا فاجأتهم الدعوة الجديدة طرأ عليهم عاملان،
(1) يُنظر دلائل الإعجاز , أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471 هـ) :1/ 174 , تح. محمود محمد شاكر أبي فهر , ط 3 , مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة , 1992.
(2) سورة سبأ ~ 6.
(3) التحرير والتنوير:22/ 146.
(4) سورة سبأ ~ 21.
(5) روح المعاني:11/ 308.