الشَّفَاعَةُ فِيهِمْ، أَي وأيس المحرومون مِنْ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ فِيهِمْ. وَهَذَا مِنَ الْحَذْفِ الْمُسَمَّى بِالِاكْتِفَاءِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الشَّيْءِ عَنْ ذِكْرِ نَظِيرِهِ أَوْ ضِدِّهِ، وَحُسْنُهُ هُنَا أَنَّهُ اقْتِصَارٌ عَلَى مَا يَسُرُّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ.
وَقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ مِنْ وَرَاءِ حَتَّى، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ وَيَوْمَئِذٍ يَبْقَى النَّاسُ مُرْتَقِبِينَ الْإِذْنَ لِمَنْ يَشْفَعُ، فَزِعِينَ مِنْ أَنْ لَا يُؤْذَنَ لِأَحَدٍ زَمَنًا يَنْتَهِي بِوَقْتِ زَوَالِ الْفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ حِينَ يُؤْذَنُ لِلشَّافِعِينَ بِأَنْ يَشْفَعُوا، وَهُوَ إِيجَازُ حَذْفٍ." [1] ."
عرَّفه علماء البلاغة بأنَّهُ:"زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد" [2] ، ومن خلال التعريف نتبيَّن حقيقةَ هذا اللون البلاغي، فهو إذن زيادةٌ في الألفاظ، بشرط أن تُحقِّقَ فائدةً جديدةً، لا من قبيل فائدة الترادف التي تحقِّق فائدة ولكنها فائدة لغوية تدور في فلك المعنى الأساس، من غير تكرار في اللفظ كالتي تستخدم للتوكيد اللفظي، وهذه الأمور ـ مجتمعةً ـ هي التي تسوِّغُ الإنبساط في الحديث، وإن زاد اللفظ عن المعنى، أمَّا إذا تخلَّف شرطٌُ فسينقلب الإطناب حشوًا وتطويلًا، تضيع في ثناياه فرصة التقاط الفكرة، وفنيَّة العبارة، والآن نأتي إلى سورة سبأ لنرى ما تحقَّق فيها من هذا الضرب ضروب البلاغة:
• (( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) ) [3]
تذكر الآية أهل سبأ بعد أن بدَّل الله حالهم من النعمة إلى النقمة، حيث أصبح بدل تلك الأشجار اليانعة الثمار، الكثيرة الظلال، أشجارٌ مجمة الثمار، عديمة النفع إلاَّ السدر فإنّه أَكْثَرُهَا ظِلًّا وَأَنْفَعُهَا لِأَنَّهُ يُغْسَلُ بِوَرَقِهِ مَعَ الْمَاءِ فَيَنْظُفُ وَفِيهِ رَائِحَةٌ حَسَنَةٌ، إلاَّ أنَّ
(1) التحرير والتنوير: 22/ 189.
(2) الطراز: 2/ 123.
(3) سورة سبأ ~ 16.