وجودَهُ لا قيمة له؛ لأنَّه قليلٌ، فلَّما أراد أن يؤكَّد قلَّته ذكر قلمة (قليل) التي جاء ذكرُها هنا إطنابًا؛ لأنَّ القلَّة مفهومة من لفظ (شيء) التي تدلُّ على هذا المعنى، يقول ابن عاشور:"وَزِيدَ تَقْلِيلُهُ قِلَّةً بِذِكْرِ كَلِمَةِ شَيْءٍ الْمُؤْذِنَةِ فِي ذَاتِهَا بِالْقِلَّةِ. يُقَالُ: شَيْءٌ مِنْ كَذَا، إِذَا كَانَ قَلِيلًا" [1] ، وهذا من إطناب الإيغال، الذي معناه ختم الكلام بما يفيد فائدة يتمَّ المعنى بدونها [2] .
• (( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ مَا آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) ) [3] .
الآية تتحدّث عن تكذيب الأمم السابقة للرسل، والمقام هنا مقام تسلية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتهديدٍ لمن يلي هذه الأمم بأنَّه قد تكون عاقبتُهم كعاقبة من سبقهم، فاقتضى ذلك إطنابًا، ذكر الآلوسي في هذه الآية رأيًا، مفادُه أن التكذيب الأوَّل هو صفة ملازمة لهم، وهو مطلق الكذب، والتكذيب الثاني مقيد، وهو تكذيب الرسل؛ لذا فالفاء في (فكذَّبوا) سببيَّة، وهذا من عطف المقيَّد على المطلق. [4] وهذا من مقامات الإطناب، ذكر الخاص بعد العام.
كذلك جملة (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) ، جاءت معترضةً بين المتعاطفين (المقيد على المطلق) وهذا الإعتراض يُعد ـ أيضًا ـ من مقامات الإطناب، وفصَّل ابن عاشور بقوله:"فَجُمْلَتَا فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ فِي قُوَّةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُفَرَّعَةٍ عَلَى جُمْلَةِ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَالتَّقْدِيرُ: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكيف كَانَ نكيري عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جُمْلَةُ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مَقْصُودًا مِنْهَا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ابْتِدَاءً جُعِلَتْ مَقْصُورَةً عَلَى ذَلِكَ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ الْغَرَضِ وَانْتِصَارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَصَّتْ عِبْرَةَ تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ فِي الْعِقَابِ بِجُمْلَةٍ تَخُصُّهَا تَهْوِيلًا لِلتَّكْذِيبِ وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْإِطْنَابِ، فَصَادَفَ أَنْ كَانَ مَضْمُونُ الْجُمْلَتَيْنِ مُتَّحِدًا اتِّحَادَ السَّبَبِ لِمُسَبِّبَيْنِ أَوِ الْعِلَّةِ لِمَعْلُولَيْنِ كَعِلَّةِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَالْغُرْمِ. وَبُنِيَ النَّظْمُ عَلَى هَذَا"
(1) التحرير والتنوير: 22/ 171.
(2) يُنظر علم المعاني بسيوني: 2/ 262.
(3) سورة سبأ ~ 45.
(4) يُنظر روح المعاني: 11/ 327.