الصفحة 45 من 61

جملة (يا جبال أوبي معه والطير) ، مقول قولٍ محذوف تقديرُه: (قلنا) ، أو (قائلين) ، يقول ابن عاشور:"وَجُمْلَةُ يَا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٌ، وَحَذْفُ الْقَوْلِ اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ، وَفِعْلُ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِجُمْلَةِ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا" [1] .

(( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) ) [2] .

نحن الآن أمام مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، أنفاس محبوسة تنتظر مصيرها، وهذا المشهد صاغته آية جاءت بصيغة الشرط والجزاء، ولكنَّنا هنا لا نلمح الجزاء (جواب الشرط) ، وحذف هذا الجزء المهم من الكلام، يجعل النفس تذهب في معرفتِهِ كٌلَّ مذهب، وبالتالي الحذف هنا أدَّى وظيفة التهويل التي لا تتحقَّقُ إلا به،"أُرْدِفَتْ حِكَايَاتُ أَقْوَالِهِمْ وَكُفْرَانِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ أَصْنَافِهَا بِذِكْرِ جَزَائِهِمْ وَتَصْوِيرِ فَظَاعَتِهِ بِمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ الْآيَةَ مِنَ الْإِبْهَامِ الْمُفِيدِ لِلتَّهْوِيلِ ... وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ وَهُوَ حَذْفٌ شَائِعٌ. وَتَقْدِيرُهُ: لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَجَبًا." [3] ، وبهذا تحقَّق لنا الإيجاز الذي يتناسب ومقتضى الحال، ومثلُ ذلك قولُه تعالى: (( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) ) [4] .

(( وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ) [5] .

سنترك التعليق على هذه الآيةِ كلَّهُ لابن عاشور الذي علَّق فأجاد:"جَاءَ تَفْصِيلُ بَعْضِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَنَّ الَّذِينَ يَرْجُونَ أَنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ يَنْتَظِرُونَ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِأَنْ يَشْفَعَ وَهُمْ فِي فَزَعٍ مِنَ الْإِشْفَاقِ أَنْ لَا يُؤْذَنَ بِالشَّفَاعَةِ فِيهِمْ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَشْفَعَ زَالَ الْفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَاسْتَبْشَرُوا إِذْ أَنَّهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ الَّذِينَ قُبِلَتِ"

(1) التحرير والتنوير: 22/ 156.

(2) سورة سبأ ~ 31.

(3) التحرير والتنوير: 22/ 203.

(4) سورة سبأ ~ 51.

(5) سورة سبأ ~ 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت