الصفحة 24 من 61

ورد هذا النوع من الأساليب الإنشائية في ثلاثة مواضع من سورة سبأ، إثنان منهما وردا بحذف حرفي النداء، وواحد مع حرف النداء، وقد جاءت جميعًا على معنى النداء الحقيقي، وهذه المواضع هي:

• (( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ) ) [1] .

تحدّث كثيرٌ من البلاغيين عن نداء الجمادات، وما لا يعقل كالحيوان، وما لا يصحُّ نداؤه كالنفس وغير ذلك، وعدوا ذلك من الإنزياح، والسرُّ في هذا أن هذه الأشياء لا يصحُّ نداؤها لأنها لا تستجيب، فلما يناديها منشئ الكلام، لابدَّ أن يكون وراء ندائه هدف ٌ آخر غير إرادة الإقبال، أمَّا في هذه الآية الكريمة فقد جاء النداء على حقيقته؛ لأن المُنادي هو الله ذو العظمة والجلال، فلا شيء من مخلوقاته يمتنع عن إجابته، فالجمادات والأحياء كلُّها مأمورة بأمره، ومسيرةٌ بمشيئته، لذا جاء النداء هنا على أروع ما يكون من الجمال والجلال والعظمة رُغم أنَّه على حقيقته، وسرُّ هذا الجمال، هو تصور هذه الأجرام العظيمة الراسية الصمَّاء وكأنها تسمع ما يقال، مما يبعث على الرهبة والإستكانة والخشوع، أمام هذا النداء الرباني العظيم، وهذا يقودنا إلى عظمة سبب النداء، وهو تسبيح الله ـ جل في علاه ـ إذن المراد من هذا النداء هو تحفيز مكامن التدبر لدى الناس، وبعث مواطن التأمل في خلق الله، وهو يخاطب الجبال والطير، والأرض والسماء، وكلَّ شيء في الوجود يسبح له (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ) [2] .وقد أجاد سيد في تصوير هذا المعنى بقوله:"والآية تصور من فضل الله على داود- عليه السّلام- أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات فاتصلت حقيقتها بحقيقته، في تسبيح بارئها وبارئه ورجّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع، وبين كائن من خلق الله وكائن وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة، التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق، وتتلاقى في نعمة واحدة، وهي"

(1) سورة سبأ ~ 10.

(2) سورة الإسراء ~ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت