فهرس الكتاب
درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من الله، يزيح عنه حجاب كيانه المادي، ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود" [1] ."
• (( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ) ) [2] .
• (( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) ) [3] .
وكلا الآيتين مستعملتان في حقيقة النداء، وتجرَّد المنادى (آلَ) و (ربَّنَا) من حرفي النداء، وهذا غالبًا ما يكون في كلام العرب، إذا أرادوا الإختصار والإيجاز.
ثالثًا: التبادل بين أسلوبي الخبر والإنشاء
لم نجد توفر نماذج من هذا النوع من أنواع الفنون البلاغية إلاَّ في موطن واحدٍ وقد اختُلِف فيه أيَّما اختلاف، وهو قوله تعالى:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ) [4]
الإختلافُ واقعٌ بين العلماء حول جملة (الحمدُ للهِ) ، أ هي خبرية أم إنشائيَّة؟ والجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى التدقيق في أقوال العلماء، وكذلك دقة تأمَّل في المُرادِ من قوله تعالى: (الحمد لله) ، ونحن لا نستطيع أن نجزم بثبوت أحدها وانتفاء الآخر، فهذا أمرٌ علمُه عند مَنْ لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وحسبنا أن ننقل ما استطعنا أن نراجعه من أقوال العلماء على ضيق المقام.
نقل الآلوسي بأنَّ الذي عليه معظم العلماء أنَّها إخباريَّة، والإمام البخاري ـ رحمه الله ـ ألف في الإنتصار لهذا المذهب وقد ردَّ على من قال إنَّها إنشائيَّة، وردَّ عليه ابن الهمام [5] بأنَّ ما ذكرهُ باطلٌ؛ لِأنَّ ذلك يقتضي إنتفاء وصف الواصف لا الإتصاف، أي انتفاء إرادة
(1) في ظلال القرآن:5/ 2897.
(2) سورة سبأ ~ 13.
(3) سورة سبأ ~ 19.
(4) سورة سبأ ~ 1.
(5) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام, إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق. أصله من سيواس. ولد بالإسكندرية سنة 790 هـ، ونبغ في القاهرة، وبها توفي سنة 861 هـ , ينُنظر الأعلام للزركلي: 6/ 255 , (بتصرُّف يسير) .