الصفحة 36 من 61

والوضوح وتمنح المتلقي فرصةً لكشف المعنى بكدِّ ذهنه، وإعمال فكره، كأنَّه ينظر إلى الفكرة من وراء غلالةٍ رقيقةٍ، يُكمِّلُ ما خفي منها بما بان، فتحصلُ بذلك اللذة التي ترتقي باللغة إلى سماء الفنيَّة التي تطمح اللغات للوصولِ إليها، يقول عبد القاهر الجرجاني عنه:"هو بابٌ دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإنكَ ترى به تَرْكَ الذِكْر، أَفْصَحَ من الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإِفادة، وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إِذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تبن" [1] ، والحذف لا يكون محمودًا على الإجمال إلاَّ إذا دلَّ عليه دليل من قرينةٍ مقاليَّة أو حاليَّة تُسعِفُ المتلقي، ليهتدي بضوئها إلى المعنى المنشود، أمَّا إذا فقد الحذف شروطَهُ فإنَّهُ ينقلبُ وبالًا، وإغلاقًا، يضيعُ معه المعنى، وتختفي تحت رُكامه الفكرة، ويفقدُ فنِّيَّتهُ المرجوَّة، يقول ابن جنِّيّ:"قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة، وليس شيء من ذلك إلّا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته" [2] .

ومثلما أنَّ للتقديمِ مواضِعَ، فإنَّ للحذف كذلك مواضعَ وهي:

1.حذف المسند إليه: تمثَّل لنا في سورةِ سبأ في ثلاثة مواضعَ هي:

(( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ) [3] .

الآية تتحدَّثُ عن سبأ في مسكنها وعيشها الهنيء، ويذكرُ الله إنعامَهُ عليهم، وجاء قولُهُ (بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور) تذييلًا لهذا المعنى، ولمَّا كان المسند إليه معلومًا بقرينة السياق، كان حذف من كمال النظم، وروعة الإيجاز فحذف من الجملة الأولى المُسندَ إليه (بلدتُكُم) ؛ لدلالة (مسكنهم) ، ومن الثانية (ربُّكُم) لدلالة كلمة (ربِّكُم) المتقدِّمة، يقول الزمخشري:"يعنى: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره" [4] ، ولو ذُكرا في السياق لكان فيهما ثقلًا، والقرآنُ مُنزَّهٌ عن ذلك، ويُعلِّلُ البلاغيُّون مثل هذا الحذفِ بـ (الإحتراز عن العبث بذكره

(1) دلائل الإعجاز: 1/ 146.

(2) الخصائص: 2/ 362.

(3) سورة سبأ ~ 15.

(4) الكشاف: 3/ 575.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت