الصفحة 15 من 61

يتصدَّرُه الأمر (قل) لدَّلالة على الحزم، فليس للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلاَّ التلقي والتنفيذ، وتكرار هذا الفعل مطلع هذه الآيات يفيد زيادة الإهتمام [1] .

وأمَّا الأوامر التي خرجت عن ظاهر الأمر فهي:

(( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) ) [2] .

فالفعل (سيروا) هنا خرج إلى معنى الإباحة لأنه غير مُلزِم، ومنهم من اعتبرَهُ أمرًا حقيقيًا، على معنى التكوين، يقول ابن عاشور:"وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ التَّكْوِينِ وَهُوَ جَعْلُهَا يَسِيرُونَ فِيهَا. وَصِيغَةُ الْأَمْرِ لِلتَّكْوِينِ" [3] .وكأن الله قال للقرى إجعليهم يسيرون فيكِ، ولشدَّة سرعة الإستجابة أُسنِدَ الأمر إليهم مباشرة على اعتبار أن القرى استجابت فما عليكم إلاَّ أن تسيروا.

(( فََقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) ) [4] .

الفعل (باعد) هنا جاء في معنى الدَّعاء لأنَّه صدر من الأدنى إلى الأعلى.

وهناك من أفعال الأمر ما انطوت على دلالات أخرى فضلًا عن دلالة الأمر مستوحاة من ملابسات السياق وتجلِّيات الموقف، وهي:

(( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [5] .

أورد عددٌ من المفسرين معناها ما بين التهكم والتوبيخ يقول الرازي:"وَقَالَ لرسوله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لِيَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ" [6] ، أمَّا القرطبي فيقول:"وَهَذَا خِطَابُ تَوْبِيخٍ" [7] ، وقال ابن عاشور:"وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: ادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّخْطِئَةِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيِ اسْتَمِرُّوا عَلَى"

(1) ينظر التحرير والتنوير: 22/ 195.

(2) سورة سبأ ~ 18.

(3) التحرير والتنوير: 22/ 175.

(4) سورة سبأ ~ 19.

(5) سورة سبأ ~ 22.

(6) مفاتيح الغيب المُسمَّى بالتفسير الكبير، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606 هـ) : 25/ 203, ط 3 , دار إحياء التراث العربي - بيروت , 1420 هـ.

(7) الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ) :14/ 295, تح. أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش , ط 2 , دار الكتب المصرية - القاهرة، 1964.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت