هذه المفردات الثلاثة لها مدلولاتها في علوم البلاغة، وبما أنَّ لكل مقام مقالا ـ كما قيل ـ صار نظم الكلام نابعًا من طبيعة المقام، فأحيانًا يكون بسط الكلام والإسهاب هو الدواء للداء، وأحيانًا يكون الإختصار والإقصار أبلغَ في الإيصال، وأنجع في المقال، فالبلاغةُ هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، حتى أن أغلبهم حصر البلاغة في باب الإيجاز والإطناب، كما ورد عن أحد الأعراب حين سُئل عن البلاغة فقال:"الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل" [1] ، وكذلك قول معاوية ـ رضي الله عنه ـ لصُحَار بن عياش العبدي [2] : ما تعدُّون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز. قال له معاوية: وما الإيجاز؟ قال: أن تُجيبَ فلا تُبطئ، وتقول قول فلا تُخطئ. [3] ، وهذا ابن المقفَّع"سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة." [4] ، فلكلٍ من الإيجاز والإطناب مقامات تقتضيهما، فمقامات الإيجاز: الحِكَمُ والأمثالُ، ومقامات الإطناب: كالمدح والفخر والوعظ وغير ذلك، وما يحسن فيه الإيجاز لا يحسن فيه الإطناب، والعكس صحيح، يقول الجاحظ:"وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها،"
(1) البيان والتبيين , عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255 هـ) : 1/ 17 , د ط، دار ومكتبة الهلال، بيروت ,1423 هـ.
(2) صحار بن عياش (أو عباس) بن شراحيل بن منقذ العبديّ، صحابيٌّ من بني عبد القيس: خطيب مفوّه، له أخبار حسنة , كان مشايعًا لعثمان بن عفَّان ـ رضي الله عنه ـ وطالب بدمه , وشهد صفين مع معاوية ـ رضي الله عنه ـ وله أحاديثُ رواها عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ سكن البصرة وفيها مات سنة 40 هـ. يُنظر في ترجمته: الإكمال , لشمس الدين إبي المحاسن الدمشقي (المتوفى: 765 هـ) : 1/ 201 , وكذلك الأعلام لزركلي: 3/ 201. (بتصرف) .
(3) يُنظر, البيان والتبيين: 1/ 98
(4) البيان والتيين: 1/ 114.