فكان لذكر هذا القيد هنا دور في إثارة حركةٍ ذهنيَّةٍ، وبعث إشعاعٍ ونور داخل السياق القرآني، لا يُستغنى عنه في تصوير الإشارة لهذا المعنى الدَّقيق.
والآن ننظر ما قاله المفسرون في هذه الآية، مما يعضِّدُ ما ذهبنا إليه، يقول الرازي:"قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَّا) إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ فَضِيلَةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَقْرِيرُهُ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا) مُسْتَقِلٌّ بِالْمَفْهُومِ وَتَامٌّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: آتَى الْمَلِكُ زَيْدًا خِلْعَةً، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ آتَاهُ مِنْهُ خِلْعَةً يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ خَاصِّ مَا يَكُونُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إِيتَاءُ اللَّهِ الْفَضْلَ عَامٌّ لَكِنَّ النُّبُوَّةَ مِنْ عِنْدِهِ خَاصٌّ بِالْبَعْضِ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ) [1] ،فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ تَصِلُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّ رَحْمَتَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِهِ لِخَوَاصِّهِ فَقَالَ: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ." [2]
أمَّا أبو السُّعود فقال:"و (منَّا) لتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيةِ بفخامته الإضافيَّةِ كما في قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [3] " [4] .
• (( وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )) [5] .
في الآية إطلاقٌ وتقييدين، أمَّا الإطلاق، فموضِعُهُ كلمة (شرك) التي لها متعلِّقٌ محذوف تقديرُه (معه) ، أي مع الله، وأمَّا التقييدين، فأحدُهُما كلمة (منهم) المتعلِّقة بـ (ظهير) ، والثانية كلمة (عليهم) المتعلِّقة بـ (الشفاعة) ، اللتان وردتا في الآية لتحقِّقا دلالة منشودة داخل هذا السياق، نطَّلع الآن إلى ما قاله ابن عاشور:"وَقَدْ نُفِيَ أَنْ يَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ مُلْكٌ مُسْتَقِلٌّ، وَأُتْبِعَ بِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ لَهُم شرك فِي شَيْءٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَيْ شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ كَمَا هُوَ السِّيَاقُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ إِيجَازًا لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْوِفَاقِ، ثُمَّ نَفَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ظَهِيرٌ، أَيْ مُعِينٌ لِلَّهِ تَعَالَى ... وَهُنَا تعين التَّصْرِيح بالمتعلق رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ آلِهَتَهُمْ تُقَرِّبُ إِلَيْهِ وَتُبَعِّدُ عَنْهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ شَفِيعٌ عِنْدَ اللَّهِ"
(1) سورة التوبة ~ 21.
(2) مفتاح العلوم: 25/ 195 ـ 196.
(3) سورة الكهف ~ 65.
(4) تفسير أبي السعود: 7/ 124.
(5) سورة سبأ ~ 22 ـ 23.