الصفحة 7 من 61

والقرآن الكريم في مجمله دلالات فنية تنطوي على إشارات ونكت ولطائف من أجلها عُدل إلى هذه الدلالات، وقد كان لسورة سبأ ـ كأي سورةٍ من سور القرآن ـ نصيب وافر منها نأخذ على سبيل المثال لا الحصر هذين النَّموذجين:

1. (( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ) ) [1] بعد أن انتهى السياق القرآني في الآية السابقة بقوله تعالى: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) ) [2] ناسب في هذا المقام أن يورد ذكر داوود ـ عليه السلام ـ بعد هذه الآية؛ لأنَّه اشتهر بالإنابة، علق ابن عاشور على قول ٍ للطيبي بخصوص هذه الآية بقوله:"يُرِيدُ الطِّيبِيُّ أَنَّ دَاوُدَ مِنْ أَشْهَرِ الْمُثُلِ فِي الْمُنِيبِينَ بِمَا اشْتُهِرَ بِهِ مِنِ انْقِلَابِ حَالِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَاعِيًا غَلِيظًا إِلَى أَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ نَبِيئًا وَمَلِكًا صَالِحًا مُصْلِحًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهُوَ مَثَلُ الْمُنِيبِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَقَالَ: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ [3] ، فَلِإِنَابَتِهِ وَتَأْوِيبِهِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَبَارَكَهُ وَبَارَكَ نَسْلَهُ. وَفِي ذِكْرِ فَضْلِهِ عِبْرَةٌ لِلنَّاسِ بِحُسْنِ عِنَايَةِ اللَّهِ بِالْمُنِيبِينَ تَعْرِيضًا بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِينِ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ" [4] ، ونلاحظ لفظة (منَِّا) وردت في هذا الموطن علمًا أن كلمة (آتينا) فيها غَناءٌ عن ذكرها ولكن لمَّا كان المقام مقام تبيان للمنَّ الذي منحه الله لآل داوود ناسب ذكرها هنا تأكيدأ على مرجعية هذا الفضل وأنَّه من عند الله وما كان من عند الله فله شأن عظيم، وهذا من مواطن الذكر، وتنكير الفضل هنا فيه تعميم وتعظيم يقول ابن عاشور:"وَتَنْكِيرُ فَضْلًا لِتَعْظِيمِهِ وَهُوَ فَضْلُ النُّبُوءَةِ وَفَضْلُ الْمُلْكِ، وَفَضْلُ الْعِنَايَةِ بِإِصْلَاحِ الْأُمَّةِ، وَفَضْلُ الْقَضَاءِ بِالْعَدْلِ، وَفَضْلُ الشَّجَاعَةِ فِي الْحَرْبِ، وَفَضْلُ سَعَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وَفَضْلُ إِغْنَائِهِ عَنِ النَّاسِ بِمَا أُلْهِمَهُ مِنْ صُنْعِ دُرُوعِ الْحَدِيدِ، وَفَضْلُ إِيتَائِهِ الزَّبُورَ، وَإِيتَائِهِ حُسْنَ الصَّوْتِ، وَطُولَ الْعُمْرِ فِي الصَّلَاحِ وَغَيْرُ ذَلِكَ" [5] . وأجمل الآلوسي وجوه جمال النظم بقوله:"وأنا أرى الفضل لتفسير الفضل"

(1) سورة سبأ ~ 10.

(2) سورة سبأ ~ 9.

(3) سورة ص ~24.

(4) التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» , محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393 هـ) : 22/ 155 , الدار التونسية للنشر - تونس , د ط , 1984.

(5) المصدر نفسه:22/ 155 ـ 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت