فهرس الكتاب
الحجُّ إلى بيت الله فريضة كبيرة وشعيرة عظيمة، ولذلك لا يرتاح المسلم حتى يؤديها. وعندما يرى الناسُ جموع الحجيج وهم يتدفقون إلى أمِّ القرى من أنحاء العالم، بأشكالهم ولغاتهم، وأعمارهم ومناصبهم، ومستوياتهم المعيشية المختلفة، ويرى كلَّهم وقد توجهوا إلى بيت الله الحرام، وكأنهم أسرة واحدة، يعبدون ربًّا واحدًا، بلباس واحد، يتجهون إلى قبلة واحدة، ويؤدون مناسكهم معًا، يجمعهم دين واحد، وكلهم مقتنعون تمامًا أنهم إخوة في دين الله، عند ذلك ينبهرون، ويعلمون كيف يجمع الحج شعور المسلمين، ويبثُّ فيهم روح المحبة والإخاء، والعزة والعظمة بدينه.
والحج مناسبة عظيمة لتعرُّف أحوال المسلمين ونشاطاتهم واحتياجاتهم ومدارسة شؤونهم، الدعوية وغيرها، فلا لقاء أكبر من هذا، ولا تجمُّع أعظم مما في الحج، وأهل العلم والدعاة والمحسنون دائمًا يبحثون عما يمكن أن يقدِّموا في هذه الأيام المباركة، ولا بدَّ من التخطيط والتركيز والاتصال بأهل المعرفة في ذلك.
وفي هذا الشأن، كان هناك مهندس ميكانيكي ألماني سائح، يعمل في مجال التصدير للبلاد العربية، هو"محمد عبدالله"، الذي كان اسمه"ميشيل مارك تانر". أول أمر في بحثه عن الإسلام هو التقاؤه بأمير عربي على خُلق، لم يكن يشرب الخمر، فحسبه مريضًا، ثم تبيَّن أن دينه يمنعه من ذلك. ثم التقى بصديق له مسلم، فشدَّه إليه حديثه عن الحج والوقوف بعرفة، فتسمَّى باسم"محمد"ليعرف سرَّ مكان هذه العبادة، فكان له ذلك. قال في وصف واقعي: وجدت جموعًا غير عادية من البشر في مكة، زحام غير عادي، وكأنه لم يعد هناك بشر في العالم من كل لون وجنس! الكل يرتدي لباسًا عاديًا جدًا، الكل يطوف حول الكعبة المشرفة، الكل يركع، الكل يسجد، الكل يبتهل إلى الله، الكل يناديه، الكل يقول: الله أكبر الله أكبر، الكل يقول: أشهد ألاّ إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ويقول في الوقوف على عرفة: شاهدت عيناي الكل يدعو الله، الكل يستغفره، الكل عاري الرأس، الكل بلا اتجاه إلا إلى الله.