الصفحة 55 من 62

المسلم يعرف أن ربَّهُ يحب له الهداية، وأنه إله عادل، رحيم، حليم. فإذا ابتُلي بمصيبة صبر وطلب منه الفرج، وهو يعلم أن ما أصابه لم يكن لبغض الله له، فقد ابتلى أنبياء له وهم أحبُّ خلقه إليه، فهو لحكمة يعرفها هو، وما عليه إلا أن يفوِّض أمره إليه، وينتظر منه السلامة وتغير الحال، فلا يُصاب بأمراض نفسية، ولا يفكر بالانتحار مثلًا، لأنه يعرف أن المنتحر مصيره إلى النار، بينما الصابر له أجر كبير عند ربِّه.

وهو يعلم أنه إذا أذنب، وانغمس في أنواع الشهوات، وارتكب أفظع الجرائم، ثم توجَّه إلى الله وحده وتاب، فإنه يأمل بقبول توبته، وغفران ذنوبه، على أن يكون صادقًا في ذلك، ولا يعود إلى ما فعل، ويندم عليها.

وقبل هذا وذاك يسعد ويطمئن لأنه يعتنق دينًا صحيحًا، ويقيم على نهج مستقيم، فهو على ملَّة التوحيد، ملَّة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، فلا يعبد حجرًا ولا خشبًا، ولا حيوانًا ولا شجرًا، ولا نجمًا ولا كوكبًا، يعبد خالق هؤلاء جميعًا والكونِ كله، الذي بيده الخلق والأمر، والتصرف والتدبير، والإحياء والإماتة، والرزق والهداية. والمرء إذا عرف أنه يسلك طريقًا صحيحًا فإنه يمشي عالي الرأس، مطمئن النفس، ثابت الخطوة، رابط الجأش، عالي الهمَّة. أما إذا تجاذبته الأفكار، وأثقلته الأهواء، ودوخته النظريات، وحيرته التناقضات والاختلافات، فإنه يشعر بظلام في النفس، وضيق في الصدر، وهمٍّ لا ينقطع، ولا يثق بمعتقده ومبدئه، لأنه لا يملك أجوبة على أسئلته الفطرية التي يريد أن يعرفها في هذه الحياة، التي تلازمه في الليل والنهار، ويشعر أنه يجب أن يعرفها حتى يطمئن ويرتاح، وهو كثيرًا ما لا يفكر في الخطأ والصحيح في دينه المنحرف، لأمور حُذِّر منها. فلا يدري ما هو الصحيح الذي ينبغي أن يتبعه، ولا الخطأ الذي يتجنبه، ويبقى هكذا سقيم النفس قلقًا، شارد الذهن متوجسًا، يريد شيئًا يوافق فطرته، ومسلكًا يوائم بين الروح والجسد، لا يكون بعيدًا عن نظره ومبتغاه. وبناء على هذا ترى عيادات الأمراض النفسية في الغرب كثيرة جدًا بالنسبة إلى بلاد المسلمين، وكذلك حالات الانتحار، على الرغم من كل ما يصيب المسلمين في بلادهم.

ولذلك ترى كل من يُسلم كأنه ولد من جديد، وكأن النور دخل كل أنحاء جسمه! فيشعر بارتياح واطمئنان لا مثيل له، بل لا يملك منهم نفسه حتى يجهش بالبكاء، ويترك أعمالًا كثيرة له ليتوجه إلى المساجد وبيت الله الحرام وحلق الذكر، ناشدًا تلك الراحة النفسية التي لا تُشترى بمال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت