لمن دخلها لا يخرج منها الا تحت حكم صاحبها وان انت جزت اليها وحصلت فيها ما يكون في نفسك شئ وهذا الرجل الذي استدعاك ما بينك وبينه متات قديم ولا صداقة متصلة ويتقي اذا قضى الله الغرض من العدو ان يمسك بها والحال كما ترونه والنظر اليكم فاكتب اليه انك لا يمكنك الجواز اليه الا ان يعطيك الجزيرة الخضراء [1] فتجعل فيها ثقاتك واجنادك ويكون الجواز بيدك متى شئت فقال له: صدقت يا عبد الرحمن لقد نبهتني على شئ لم يخطر ببالي واكتب له بذلك، فكتب ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم: وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، من امير المسلمين وناصر الدين الى الامير الاكرم المؤيد بنصر الله المعتمد على الله أبي القاسم ابن عباد أدام الله كرامته بتقواه ووفقه لما يرضاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اما بعد: فانه وصل خطابكم المكرم فوقفنا على ما تضمنه من استدعائنا لنصرتك وما ذكرته من كربتك وما كان من قلة حماية جيرانك فنحن يمين لشمالك ومبادرون لنصرتك وحمايتك واوجب علينا ذلك الشرع وكتاب الله تعالى وبانه لا يمكننا الجواز الا ان تسلم لنا الجزيرة الخضراء تكون لنا لكي يكون جوازنا اليك على ايدينا متى شئنا، فان رأيت ذلك فاشهد به على نفسك وابعث الينا بعقدها ونحن في اثر خطابك ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته [2] .
وصل خطاب المعتمد بن عباد الى امير المسلمين يوسف بن تاشفين والذي يتضمن استدعائه للعبور ونجدته وتخليص المسلمين من شرور الاذفونش، واول ما قام به يوسف ابن تاشفين هو استشارة وزرائه واولي الامر في دولته، وهنا تبرز اهمية البطانة الصالحة التي يتخذها الملك أو الامير من
(1) الجزيرة الخضراء: وهي بالاندلس ويقال لها جزيرة ام حكيم وهي جارية القائد طارق بن زياد كان حملها معه فتخلفها بهذه الجزيرة فنسبت اليها وعلى مرسى ام حكيم مدينة الجزيرة الخضراء وبينها وبين قلشانة اربعة وستون ميلًا وهي على ربوة مشرفة على البحر سورها متصل به، وهي مدينة من اشرف المدن واطيبها ارضًا وسورها يضرب به ماء البحر ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر لكنها متصلة ببر الاندلس لا حائل من الماء دونها، وهي منيعة حصينة سورها حجارة، ومدينة الجزيرة طيبة رقيقة باهلها جامعة لفائدة البر والبحر قريبة المنافع من كل وجه لانها وسطى مدن الساحل واقرب مدن الاندلس مجازًا الى العدوة ومنها تغلب ملوك الاندلس على ما تغلبوا عليه من بلاد افريقية والجزيرة الخضراء اول مدينة افتتحت في الاندلس في صدر الاسلام سنة تسعين للهجرة على يد القائد موسى بن نصير وطارق بن زياد. .ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/ 494؛ الحميري، الروض المعطار، ص/222.
(2) الحلل الموشية، ص/ 50