الصفحة 26 من 58

غيرها، فأخبروه مستشاروه ان نصرة المسلم لاخيه المسلم من الواجبات الشرعية، ويمكننا ان نتلمس في هذه الرواية رغبة البطانة بالعبور وتسهيلها للامور فقالوا: كيف نفرد جارنا المسلم طعمة للعدو وبيننا وبينه ساقية ماء؟

ساقية الماء هذه هو بحر الزقاق مضيق جبل طارق وعبور الجيوش البحار من الصعوبة بمكان أو هي مغامرة ما بعدها مغامرة، والعرب لا تعرف ركوب البحار ولم تعتاده ولهذا نرى ان القائد طارق بن زياد لما عبر الى الاندلس في سنة اثنتين وتسعين بعد الهجرة المباركة كان ضربًا من الخيال فلما تكللت المهمة بالنجاح اكبر المسلمون ذلك وتناوله المؤرخون بتعظيم لا يجارى.

ويبدو ان امير المسلمين يوسف بن تاشفين اعتاد استشارة وزرائه وكتابه في اموره وفقًا للرواية السالفة الذكر واردف الامير باستشارة كاتبه عبد الرحمن بن اسباط كونه اندلسيًا ويعرف خبايا الاندلس واهل مكة ادرى بشعابها، فلما اشار عليه بأخذ الجزيرة الخضراء لتكون محط رحاله ومرساه على البحر وقاعدة انطلاق لجيوشه استدرك مباشرةً وشكره على تنبيهه وكتب الى المعتمد بن عباد يشترط عليه ان يعطيه الجزيرة الخضراء.

ولما ورد خطاب امير المسلمين يوسف بن تاشفين الى المعتمد على الله قال له ابنه الرشيد: يا أبت الا تنظر الى ما طلب منك؟ فقال له: يا بني ذاك قليل في حق نصرة المسلمين، فجمع المعتمد على الله القاضي والفقهاء وكتب عقد هبة الجزيرة الخضراء ليوسف بن تاشفين وتسليمها له بمحضر ذلك الجمع وبعث به اليه وكان ابنه الراضي يزيد اذ ذاك صاحب الجزيرة الخضراء فأمره باخلائها والانتقال عنها، ولما وصل العقد والخطاب لامير المسلمين يوسف بن تاشفين بالجواز استنفر جميع حشوده وبعث في البلاد الى جنوده

ورحل الى سبتة [1] فأقام بها وأخذ في تجويز عساكره حتى لم يبق منهم احد جاز هو في

(1) سبتة: بلفظ الفعلة الواحدة من الاسبات وهو التزام اليهود بفريضة السبت وهي بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب ومرساها اجود مرسى على البحر وهي على بر البربر تقابل جزيرة الاندلس على طرف الزقاق، مدينة عظيمة على الخليج الرومي المعروف بالزقاق (مضيق جبل طارق) وهو اول البحر الشامي المنتهي الى مدينة صور من ارض الشام وهي تقابل الجزيرة الخضراء وليس لها الى البر غير طريق واحدة من ناحية الغرب لو شاء اهلها ان يقطعوه قطعوه، وفي اخر المدينة جبل كبير يسمى جبل المينا وقد كان عبد الملك بن ابي عامر أمر ان تبنى بهذا الجبل مدينة ينقل اليها اهل سبتة فبنى سورها ومات ولم يتم له المراد والسور باق الى الان وهو يظهر من بر الاندلس لبياضه، والبحر يحيط بسبتة من جميع جهاتها الا من جهة الغرب فان البحر يكاد يلتقي ولا يبقى بينهما الا اقل من رمية قوس وتظهر سبتة عند صفاء البحر من الجزيرة الخضراء. ياقوت الحموي، معجم البلدان، 4/ 926؛ الحميري، روض القرطاس، ص/293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت