محلة ابن عباد حتى بعث اليه ابن عباد كاتبه ابن القصيرة فأخبره فركب ولحق به زعماء لمتونة وكبراء صنهاجة وسائر عسكره فقصد بهم محلة الطاغية فاقتحمها فاضرمها نارًا وضرب طبوله فاهتزت له الارض وتجاوبت الافاق فارتاعت قلوبهم وتجلطت افئدتهم ورأوا النار تشتعل في محلتهم واتاهم الصريخ بهلاك اموالهم واخبئتهم فسقط في ايديهم فثنوا اعنتهم ورجعوا قاصدين محلتهم فالتحمت الفئتان واختلطت الملتان واشتدت الكرات وعظمت الهجمات والحروب تدور على اللعين تطحن رؤوس رجاله ومشاهير ابطاله وتقذف بخيلهم عن يمينه وشماله وتداعى الاجناد والحشم والعبيد للنزال والترجل عن ظهور الخيل ودخول المعترك فأمد الله عز وجل المسلمين بنصره وقذف الرعب في قلوب المشركين وتحصلوا بين عسكر ابن عباد وعسكر ابن تاشفين وفي اثناء ذلك تلاقى الطاغية غلام اسود بيده خنجر يدعوه البرابر بالافطس طعنه في فخذه فكان الاذفونش يقول بعد ذلك التحق بي غلام اسود فضربني في الفخذ بمنجل اراق دمي فتخيل له منجل لكونه رآه معوجًا ففر امامه وسيوف المسلمين تتبعه حتى الجأوه الى ربوة عالية اعتصم بها لتعذر مرتقاها فقال لهم امير المسلمين يوسف بن تاشفين: الكلب اذا أرهق لا بد ان يعض وقد سلم الله المسلمين من معرته ولم يُقتل منهم الا القليل فان هجمنا على هؤلاء ابلوا بلاءً عظيمًا ولكن اتركوهم ولاحظوا حالهم فلما جن الليل فروا واصبحوا يوم السبت فلم يوجد لهم اثر ثم ثنى امير المسلمين عنانه فنزل الناس بنزوله وقد ابان الله بصارمه تلك الشوكة واستأصل اولئك الجموع المشركة ولم يفلت منهم اكثر من اصحاب غرسية الذي اعتزل عن القتال وهم نحو اربعمائة [1] .
اما ابن الاثير فيقول: ركب الاذفونش ليلة الجمعة سحرًا وصبح بجيشه جيش المعتمد بن عباد بكرة الجمعة غدرًا وخديعةً وظنًا منه ان ذلك المخيم هو جميع عسكر المسلمين فوقع القتل بينهم فصبر المسلمون فاشرفوا على الهزيمة وكان المعتمد قد ارسل الى امير المسلمين يعلمه بمجئ الافرنج فسار اليها فبينما هم في القتال وصل امير المسلمين الى خيام الافرنج فاحرقها ونهبها وقتل من فيها فلما رأى الافرنج ذلك لم يتمالكوا ان انهزموا واخذهم السيف وتبعهم المعتمد من خلفهم ولقيهم امير المسلمين من بين يديهم ووضع فيهم السيف فلم يفلت منهم احد ونجا الاذفونش في نفر يسير وجعل المسلمون من رؤوس القتلى اكوامًا كثيرة فكانوا يؤذنون عليها الى ان جيفت فأحرقوها
(1) الحلل الموشية، ص/61_62.