الصفحة 6 من 58

يضطرم في اعماق نفسه بطموح لا يحد غير تلقين احكام الدين وبث الورع والخشوع في نفوس اصحابه، فلما تجاوز مريديه الالف شخص دعاهم للجهاد بصورة عملية وبعثهم الى اقوامهم [1] .

يبدو ان عبد الله بن ياسين الجزولي كان شديدًا صارمًا حازمًا لا يخشى في الله لومة لائم وهؤلاء البدو الذين كانوا غارقين في الجهل والضلالة والتأخر لم ترق لهم اراء ابن ياسين بالعودة الى ينابيع الدين الصحيح فانصرفوا عنه مما اثر ذلك في الشيخ تأثيرًا كبيرًا دعاه الى ان يجمع مريديه ويرحل بهم الى منطقة نائية ليعلمهم احكام الاسلام وابتنوا رابطة للعبادة والصلاة وبذلك يكون الدافع الاساسي لانعزال الشيخ عبدالله بن ياسين وصحبه هو انصراف قومه عنه، وحقًا كما قالت العرب: رب ضارة نافعة، فبانعزال المرابطين عن الناس اختطوا لانفسهم منهاجهم الذي شيدوا به جذور دولتهم القادمة.

لما تولى أبو بكر بن عمر اللمتوني [2] قيادة المرابطين في سنة سبع واربعين واربعمائة وجه جيشًا لغزو بلاد السوس وجعل على قيادة الجيش ابن عمه يوسف بن تاشفين [3] ، [4] ، وفي ذلك يقول محمد

(1) روض القرطاس، ص/125؛ الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 7 - 9؛ عنان، دولة الاسلام في الاندلس، 2/ 302.

(2) ابو بكر بن عمر اللمتوني: من رؤساء دولة المرابطين في المغرب استولى على سجلماسة وملك السوس باسره ثم امتلك بلاد المصامدة وفتح بلاد اغمات وغيرها وقاتل البجلية (من شيعة عبيد الله المهدي) وقبائل برغواطة وفي كل هذا كان الى جانب سيد المرابطين عبد الله بن ياسين ولما اصيب ابن ياسين بجراح في حربه مع برغواطة سنة 451 هـ فخطب في اشياخ صنهاجة وقال: اني ذاهب عنكم فانظروا ممن ترضونه لامركم فاتفق الرأي على ابي بكر اللمتوني، وبلغه سنة 452 هـ وقوع فتن في الصحراء بين قبائل قومه فانصرف لاصلاح شأنهم وخلف ابن عمه يوسف بن تاشفين ولما عاد الى المغرب وجد يوسف قد خضعت له البلاد وضخم امره فاوصاه بالناس خيرًا وقفل الى الصحراء فقتل شهيدًا في حرب السودان. الزركلي، الاعلام، 2/ 68.

(3) يوسف بن تاشفين: امير المسلمين السلطان يوسف بن تاشفين اللمتوني البربري الملثم ويعرف ايضًا بامير المرابطين وهو الذي بنى مدينة مراكش وصيرها دار ملكه واول ظهور هؤلاء الملثمين مع ابي بكر بن عمر اللمتوني فاستولى على البلاد من تلمسان الى طرف الدنيا الغربي واستناب ابن تاشفين فطلع بطلًا شجاعًا شهمًا عادلًا مهيبًا فاختط مراكش في سنة خمس وستين واربعمائة، وكان ابن تاشفين كثير العفو مقربًا للعلماء وكان اسمر نحيفًا خفيف اللحية دقيق الصواب بائسًا حازمًا تملك بضعًا وثلاثين سنة وهو وجيشه ملازمون اللثام الضيق وفيهم شجاعة وعتو وعسف كثر جيوشه وخافته الملوك وكان بربريًا قحًا، ولما ثارت الافرنج في الاندلس عبر ينجد الاسلام فطحن العدو ثم اعجبته الاندلس فاستولى عليها واخذ ابن عباد وسجنه واساء العشرة، مات في اول سنة خمسمائة وله بضع وثمانون سنة. الذهبي، سير اعلام النبلاء، 19/ 253.

(4) الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت