أما تفسير الحديث والبحث في حدود ألفاظه ونتائج تجاربه، فذلك مجال رحب، خاض فيه العلماء قديمًا وحديثًا، وتعددت فيه الأنظار والأفهام، بل تعددت فيه روايات الحديث نفسه، الأمر الذي يفتح الباب إلى النظر إلى مزيد من الأبحاث التجريبية، واعتبارها في معرفة دلالة الحديث، وفهم قيوده وحدوده.
فقد قال ابن التين بأن المراد نخل خاص لا يعرف الآن، وقال الخطابي -رحمه الله- ليس ذلك خاصية من خواص التمر، وإنما هي بركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لعجوة معينة [1] ، وبناء على هذين القولين لا يمكن تعميم وقاية التصبح بالتمر اليوم من جميع أنواع السموم.
وقال أكثر العلماء بتخصيص عجوة المدينة بهذا الوقاء، كالطحاوي [2] ، وأبو عوانة [3] ، والقاضي عياض [4] ، والنووي [5] ، وأبي العباس القرطبي الذي دعا إلى إجراء التجارب لفهم دلالة الحديث، فقال -رحمه الله-:"الذي ينبغي أن يقال إن ذلك خاصة عجوة المدينة، ثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه أو هو في كل زمان؟ كل ذلك محتمل، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فإن وجدنا ذلك كذلك في هذا الزمان، علمنا أنها خاصة دائمة، وإن لم نجده مع كثرة التجربة علمنا أن ذلك مخصوص بزمان ذلك القول" [6] .
وقال الإمام المازري -رحمه الله-:"هذا مما لا يعقل معناه في طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب، لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع، ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه - صلى الله عليه وسلم - خاصة، أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار وقوع الشفاء في زمننا غالبًا، وإن وجد ذلك في زماننا في أكثر الناس حمل على أنه أراد وصف غالب الحال" [7] .
(1) انظر: فتح الباري (10/ 239) .
(2) انظر: شرح مشكل الآثار (14/ 362) .
(3) انظر: المستخرج (5/ 189) .
(4) انظر: إكمال المعلم (6/ 531) .
(5) انظر: شرح مسلم (14/ 3) .
(6) المفهم (5/ 322) .
(7) المعلم بفوائد مسلم (3/ 121) .