وهكذا ترى كيف اختلف العلماء وشراح الحديث في توجيه دلالته، وتفسير كلماته، حتى دخل هذا الاختلاف في أنواع السم المقصودة في الحديث، فقال ابن القيم -رحمه الله-:"يجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم، فيكون الحديث من العام المخصوص، ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد، وتلك التربة الخاصة من كل سم، ولكن ها هنا أمر لابد من بيانه، وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به، فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة".
وخالفه الحافظ ابن حجر رحمه الله -بعد أن نقل كلامه- فقال:"لكن سياق الخبر يقتضي التعميم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وعلى تقدير التسليم في السم، فماذا يصنع في السحر" [1] .
وأما الأبحاث التجريبية المعاصرة فقد وقفنا على مجموعة منها، لكنها لم تتوصل إلى نتائج حاسمة في جميع القضايا الخلافية السابقة، وإنما إلى نتائج تدل على الجانب الأول، وهو إثبات النفع العام للتمر من آثار السموم، من غير تحديد ولا تعيين.
ومن ذلك أنه قام كل من الدكتور عبدالكريم السلال، والدكتور زهير، والدكتور أحمد ديسي، بنشر بحث محكّم في مجلة (Biomedical Letters) في جامعة (Cambridge) بعنوان:"دراسة تأثير خلاصة التمر على إبطال مفعول سم الحية والعقرب"، فكان في خلاصة الدراسة أنه:"تم إعطاء أربعة متبرعين من (9 - 11) حبة تمر لكل منهم، أما عينات الدم فتم أخذها قبل أكل التمر وبعده بحوالي (4 - 5) ساعات، فكشفت الدراسة أن عينات الدم التي أخذت منهم بعد تناول التمر كانت مقاومة لسم الأفعى بنسبة (83%) ، وأن نسبة امتصاص الهيموغلوبين لسم الأفعى وتأثيره على (3%) من خلايا الدم الحمراء قبل تناول التمر كانت (0.542) ، وبعد تناول التمر أصبحت (0.09) ، وقد وجدت الدراسة أو التجربة أن إعطاء (5%) من خلاصة التمر أبطلت حوالي (34%) و (71%) من النشاط السمي للأفعى والعقرب على التوالي، وأن (20%) من خلاصة التمر أحبطت المفعول بنسب (87%) و (100%) " [2] .
(1) فتح الباري (10/ 240) .
(2) انظر في تفاصيل هذه الدراسة المنشورة باللغة الانجليزية المرجع الآتي -وقد تمت ترجمة خلاصته فيما سبق-: