يلاحظ أن العلاقة بين المثقف والسلطة قد تكون علاقة جدلية محضة، مبنية على التحدي، والنقد، والمواجهة، والصمود، والنضال المستميت، والصراع من أجل تحقيق الحرية، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وتقويض دعائم الفساد السياسي.
و غالبا، ما يكون رد فعل أصحاب السلطة تجاه هذا المثقف العضوي إما باستعمال الإغراء المالي والمعنوي (حظوة المنصب) ؛ وإما باستخدام القوة والعنف، من نفي، واعتقال، وتعذيب؛ وإما باستعمال خطاب اللامبالاة والإقصاء والتهميش، وطرده من وظيفته، أو اللجوء إلى تسييجه بالإقامة الجبرية. وهنا، يصبح المثقف بمثابة فاعل ثوري ملتزم بالمبادئ التي يؤمن بها، يقوم بوظيفة التوعية والتنوير والتأطير، ويتحول إلى رمز ثوري ومناضل بروميثيوسي.
وهناك من المثقفين من يتصالح مع السلطة، ويتكيف مع الواقع بشكل جزئي أو كلي، ويتأقلم مع النظام الحاكم، ويتحول إلى بوق سياسي أوإلى محام يدافع عن النظام السياسي الحاكم، فيحمل إيديولوجيا السلطة القائمة على شؤون البلاد. وبعد ذلك، يوصلها، في خطاب ديماغوجي، إلى الجماهير الشعبية دفاعا عنها، أوتبريرا لها بهدف إعطائها المشروعية والصلاحية السياسية. وأكثر من هذا، يغطي، بغرباله الفكري والسوفسطائي، أخطاء الطبقة الحاكمة وهفواتها المشنية.
وهناك من المثقفين من يلتزم بالحياد والصمت، ولا يحرك ساكنا أوجامدا، وإذا نطق وأفصح وعبر، فإنه يعبر عن مواضيع مجترة عفا عنها الزمن ودرس، لاعلاقة لها بما يؤرق هموم الجماهير الشعبية الكادحة، فيحلق هذا المثقف في سماء الخيال والتجريد بعيدا عن الواقع ومشكلاته، ويسبح في أحلام يوتوبية تستشرف آفاقا رومانسية وردية بعيدة عما