الأربعة السابقة للميلاد، وقبل تناول العشاء الرباني ... ! وما كان لكنسية تفكر بهذه الطريقة، أن تقبل تحرير الفكر بعيدًا عن سلطانها، ولهذا بدأت معركتها مبكرة ضد أحرار الفكر - وفيهم كثير من رجال الدين - وعلماء العصر، ولهذا انطبعت الحضارة الغربية بالعداء بين العلم والدين، وذلك على العكس تمامًا من الحضارة الإسلامية التي قامت على الدين.
يقول الفيلسوف البريطاني برتراند رسل في مقال له بعنوان: كيف أعاقت الكنائس التقدم:
«قد تظن أيها القارئ أنني أذهب بعيدًا عن الواقع إذا قلت لك إن هذا لا يزال واقع الحال. فهناك طرق كثيرة جدًا تتبعها الكنيسة في الوقت الحاضر، لإنزال البلايا وصنوف من العذاب التي لا داعي لها بمختلف أنواع البشر، وذلك بإصرارها على ما قد اختارت أن تسميه الأخلاقيات. وكما نعلم جميعًا، فإن الكنيسة لا تزال في أغلبها تعادي التقدم وكل ما من شأنه تخفيف معاناة العالم، فهي قد اعتادت أن تطبع مجموعة من قواعد السلوك المتزمت والتي لا علاقة لها بسعادة الإنسان، بما تسميه الأخلاقيات.
يجب علينا أن ننهض ونتدبر واقع أمر العالم. إن العالم المليء بالخير يحتاج إلى المعرفة ورقّة العواطف والشجاعة. إنه يحتاج إلى نظرة جسورة وإلى عقل حر. إنه يحتاج إلى أمل في المستقبل.
لقد عارضت الكنيسة جاليليو. وفي الأيام التي بلغت فيها أعظم سلطانها، فإنها ذهبت إلى أبعد مدى في معارضة حياة العقل والتفكير. فلقد كتب البابا جريجوري الكبير (590 - 604 م) إلى أحد أساقفته رسالة يقول فيها: «لقد وصلنا تقرير لا نستطيع تذكره دون حمرة الوجه خجلًا: ذلك أنك تشرح قواعد اللغة (اللاتينية) إلى بعض الأصدقاء» .
لقد اضطر هذا الأسقف، تحت سلطان صاحب القداسة، أن يكف عن ذلك العمل الشرير! ولهذا لم تنهض اللاتينية من عقالها إلا في عصر النهضة.
وكما يعلم كل الناس، فإن الكنائس قد عارضت بقدر الإمكان القضاء على العبودية، كما أنه خلافًا لبعض الاستثناءات، فإنها تعارض اليوم أي حركة تجاه العدالة الاقتصادية ويجب أن نذكر أنه في جميع العصور، بدءًا من عصر قسطنطين (القرن الرابع) حتى نهاية القرن السابع عشر فإن المسيحيين قد تعرضوا لاضطهادات رهيبة على يد مسيحيين مثلهم آخرين، أكثر بكثير مما تعرضوا له على أيدي الأباطرة الرومان!
حقيقة أن المسيحي المعاصر قد أصبح أقل غلظة، لكن الفضل في ذلك لا يرجع إلى المسيحية، وإنما يرجع إلى أجيال من أحرار الفكر، الذين جعلوا المسيحيين - يخجلون - منذ عصر النهضة