تقول العالمة الألمانية الدكتورة سيجريد هونكه عن حضارة الإسلام التي قامت على لا إله إلا الله:
«لقد أوصى محمد كل مؤمن، رجلًا كان أو امرأة بطلب العلم. وجعل ذلك واجبًا دينيًا. فهو الذي يقول للمؤمنين: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد. ويرشد أتباعه دائمًا إلى هذا، فيخبرهم بأن ثواب التعلم كثواب الصيام، وأن ثواب تعليمه كثواب الصلاة.
وكان محمد يرى في تعميق أتباعه في دراسة المخلوقات وعجائبها، وسيلة للتعرف على قدرة الخالق، وكان يرى أن المعرفة تنير الإيمان، مرددًا عليهم: اطلبوا العلم ولو في الصين.
والرسول يطلب إلى علوم كل الشعوب، فالعلم يخدم الدين. والمعرفة من الله وترجع إليه. لذلك فمن واجبهم أن يصلوا إليها وينالوها، أيًا كان مصدرها ولو نطق بالعلم كافر».
وعلى النقيض تمامًا يتساءل بولس الرسول مقرًا: (ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة) ؟ [1] .
مفهومان مختلفان بل عالمان منفصلان تمامًا، حددا بهذا طريقين متناقضين للعلم والفكر في الشرق والغرب.
وبهذا اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة، والمعرفة السطحية المعاصرة في أوروبا، حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها.
ويعرف القديس أوغسطينوس محور المعرفة قائلًا: (أما الرب والروح فإني أبغي معرفتهما. فالبحث عن الحقيقة هو البحث عن الله، وهذا لا يستدعي معونة من الخارج) . والمصدر الوحيد لتلك المعرفة هو الكتاب المقدس، وقصة الخليقة تعطي كل ما يحتاجه المرء من معلومات عن السماء والأرض والجنس البشري. وأما أن يكون هناك سكان على الوجه الآخر من الأرض، فقد نفاه أوغسطينوس بشدة: (الكتاب المقدس لم يذكر مثل هذا الجنس من سلالة آدم) .
وأما ما يدعيه بعضهم من أن الأرض كروية فهو كفر وضلال، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكرًا: (هل هذا من المعقول؟ أيعقل أن يجن الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم
(1) ... يقول بولس في رسائله: «اختار الله جهال لعالم ليخزي الحكماء .. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود .... إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلًا لكي يصير حكيمًا. لأن حكمة هذا العالم هي الجهالة عند الله، لأنه مكتوب الآخذ الحكماء بمكرهم وأيضًا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة - الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (1: 27 - 28، 2: 18 - 20» .