الصفحة 8 من 70

أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم)؟! لقد كانت الأرض بالنسبة إلى بعض الناس تلًا تدور الشمس حوله ما بين الشروق والغروب وبالنسبة إلى الآخرين مسطحًا تحيط به المحيطات ...

ملعون من يقتنع أو يقبل الآن تفسيرًا علميًا لحوادث الطبيعة. خارج عن طاعة الرب من يشرح أسبابًا طبيعية لبزوغ كوكب أو فيضان نهر، بل لمن يعلل علميًا شفاء قدم مكسورة أو إجهاض امرأة. فتلك كلها عقوبات من الله، أو من الشيطان، أو هي معجزات أكبر من أن ندرك كنهها!

ما وصلت إليه الكنيسة وكهنتها في المجال الديني، لم يكن عامل إنقاذ للحضارة بل كان عائقًا لها. لقد كانت أمامهم الفرصة، تمامًا كالعرب، بل إن فرصتهم كانت أكبر في أن يأخذوا التراث العظيم ويتطوروا به في درجات السلم المرقي ..

لكن الفكر الإغريقي ظل بالنسبة إليهم غريبًا على الدوام. فحوالي عام 300 ميلادية علل أسقف قيصرية أويزيبيوس ذلك المسلك لعلماء الطبيعة من الإسكندرية قائلًا: (إن موقفنا هذا ليس جهلًا بالأشياء التي تعطونها أنتم كل هذه القيمة، وإنما لاحتقارنا لهذه الأعمال التي لا فائدة منها. لهذا فإننا نشغل أنفسنا بالتفكير فيما هو أجدى وأنفع) .

ويظل هذا التفكير العقيم سائدًا لا يتغير، فيتحدث بمثل هذا في القرن الثالث عشر، القديس توما الأكويني فيقول: (إن المعرفة القليلة لأمور سامية أجل قدرًا من معرفة كبيرة موضوعها أمور حقيرة) ...

ولقد بدت للسادة المهيمنين على الأمور ضرورة تحريم الكتب التي تهتم بالأمور الحقيرة الدنيوية على المتعلمين ورجال الدين.

ففي عام 1206 نبه مجمع رؤساء الكنائس المنعقد في باريس رجال الدين بشدة إلى عدم قراءة كتب العلوم الطبيعية، واعتبر ذلك خطيئة لا تغتفر.

وقضى هذا التفكير الضيق على كل موهبة، وعاق كل بحث علمي، وأجبر كل المفكرين الذين لا تتفق أعمالهم ومعتقدات الكنيسة هذه على إنكار ما قالوه من النظريات العلمية، وإلا كان مصيرها الحرق العلني بالنار لكفرهم وخروجهم على المعتقدات الإلهية.

ومن هنا فقط يتضح لنا تمامًا لماذا احتاجت الحضارة في الغرب ألفًا من السنين قبل أن تبدأ في الازدهار تدريجيًا، مع أنها كانت لديها فرصة مناسبة لتبدأ قبل الحضارة العربية بقرنين أو ثلاثة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت