الصفحة 9 من 70

وما إن انقضى قرن واحد من الزمان على الفتوحات الإسلامية حتى ازدهرت حضارة العرب وآتت أكلها مكتملة ناضجة ... إن الإسلام لا يعرف وسيطًا بين العبد والرب، ولم يكن لديه على الأقل في تلك الظروف الحاسمة طبقة من الكهنة ولا تنظيمات وسلطات عليا مشرفة. وحيثما كانت المسيحية تطغى نتيجة لتسامح المسلمين، كان ذلك دائمًا يؤدي إلى كساد العلوم وإهمالها. ولعل إفناء الطبقة العلمية العليا على يد الأسبان والمغول، هو خير برهان على ما نقول.

كانت الاحتكاكات بين الآراء المختلفة قد منحت الحركة الفكرية حيوية دائمة، وحمت الإسلام من الجمود وأجبرته على أن يسلح نفسه علميًا، وأن يتطور بالقوى العقلية وينهض بها من سيادتها. وساعده على ذلك المطالب العديدة المنبثقة من شعائر الدين أو من الحياة اليومية للشعوب.

واجبات عديدة ومسئوليات جسيمة: فمعالجة المرضى ضرورية، وحماية الملايين من سكان المدن الكبيرة من الأوبئة، وإمدادهم بالدواء الناجع يتطلب أبحاثًا عملية دقيقة. وأدخلتهم حاجات تلك الملايين في عالم الحيوان والنبات ليدرسوه وينهضوا به. فنظم ري الأرض ومسحها، ورصدت الكواكب وحركاتها، ونظمت الرحلات، وأخذ كل شيء مكانه وزمنه اللازم له ....

ففي كل حقل من حقول الحياة صار الشعار للجميع: تعلم وزد معارفك قدر إمكانك وأينما استطعت. وبأقدام ثابتة ونفوس مطمئنة، تعرف حقها وتؤدي واجبها، أقبل العرب على ما وجدوا من معارف، فاغترفوا منها قدر جهدهم، وما رأوا فيه نفعًا لهم ...

لقد ذاقوا حلاوة العلم فازداد شوقهم إلى البحث عنه، لم يعودوا يرضون بغير العلم والبحث بديلًا. وبدأ نوع فريد فالتاريخ من طرق الكشف عن كنوز المعرفة، خصصت له البعثات الضخمة والأموال الطائلة، بل واستخدمت لأجله الوسائل الديبلوماسية، وخدمته سياسة الدولة الخارجية.

ولو أردنا دليلًا آخر على مدى الهوة العميقة التي كانت تفصل الشرق عن الغرب، لكفانا أن نعرف أن نسبة 95% على الأقل من سكان الغرب في القرون: التاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر. كانوا لا يستطيعون القراءة والكتابة.

وبينما كان شارل الأكبر يجهد نفسه في شيخوخته لتعلم القراءة والكتابة، وبينما أمراء الغرب يعترفون بعجزهم عن الكتابة أو القراءة، وفي الأديرة يندر بين الكهنة من يستطيع مسك القلم، لدرجة أنه عام 1291 لم يكن في دير جالينوس من الكهنة والرهبان من يستطيع حل الخط - بينما كان هذا كله يحدث في الغرب - كانت آلاف مؤلفة من المدارس في القرى والمدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت