الصفحة 10 من 70

تستقبل ملايين البنين والبنات، يجلسون على سجادهم الصغير يكتبون بحبر يميل إلى السواد فوق ألواحهم الخشبية، ويقرؤون مقاطع من القرآن حتى يجيدوها، ويجودون ذلك معًا بلحن جميل عن ظهر قلب، ثم يتقدمون خطوة تلو الأخرى في المبادئ لقواعد اللغة.

وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين حقًا كما يجب أن يكون المسلم. فلم يجبرهم أحد على ذلك، بل اندفعوا إليه عن رغبة وإيمان، لأن من واجب كل مسلم أن يقرأ القرآن.

فالكتاب المقدس لا يجد الناس إليه سبيلًا، إذا استثنينا الكهنة ورجال الدين، فهم وحدهم يستطيعون قراءته وفهم لغته.

ومنذ عام 800 ميلادية لم يعد الشعب يفهم المواعظ الملقاة باللاتينية، حتى أن مجلس رؤساء الكنائس المنعقد في مدينة تور أوصى بوعظ الناس باللغة التي يتكلمون بها. ولم تكن هناك حاجة تدعو الشعب في تلك العصور إلى تعلم اللاتينية، بل لم تكن هناك أية رغبة في تعليم الشعب أو تثقيفه.

وعلى خلاف ذلك، كان الحال في العالم الإسلامي، فقد اهتمت الدولة بتعليم الرعية. ولم تلبث أن جعلت من التربية واجبًا ترعاه، فالأطفال من مختلف الطبقات يتعلمون التعليم الأولي مقابل مبالغ ضئيلة يقدر على دفعها الناس دون مشقة.

ومنذ بدأت الدولة تعين المعلمين للمدارس، أمكن للفقراء أن يعلموا أولادهم مجانًا.

بل إن بعض البلدان العربية، مثل أسبانية، قد جعلت التعليم للجميع مجانًا. وقد افتتح الحكم الثاني حوالي عام 965 م في قرطبة سبعًا وعشرين مدرسة لأبناء الفقراء، بالإضافة إلى المدارس الثماني التي كانت فيها فعلًا.

وفي القاهرة، أنشأ المنصور قلاوون مدرسة لليتامى ملحقة بالمستشفى المنصوري، ومنح كل طفل فيها، يوميًا، رطلًا من الخبز، وثوبًا للشتاء، وآخر للصيف.

وأنشأت الدولة المدارس العليا في كافة المدن الكبيرة. وكان الطلبة يتناولون طعامهم مجانًا، بل ويتقاضون مرتبًا صغيرًا، ويسكنون في الأدوار العليا في المدرسة دون مقابل. أما في المهاجع فثمة المطبخ والمخازن والحمامات. وفي الطبقة الأرضية تلتف الفصول وقاعات المكتبة على شكل دائري خلف ممرات مظلة تزينها الأعمدة، وفي الوسط فناء فسيح تتوسطه نافورة ماء.

هنا يتعلم شباب العرب الطَّموح القرآنَ وقواعد اللغة والديانة والخطابة والأدب والتاريخ والجغرافية والمنطق والفلك والرياضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت