ويساهم الطلاب في المناقشات والمناظرات، ويعيد معهم دروسهم مساعدون من طلبة الصفوف المتقدمة أو من الخريجين. وتبدو هذه المدارس كخلايا النحل الدائبة النشاط، تخرج للجميع شهدًا حلوًا فيه شفاء للناس، ولتقدم قادة للعلم والسياسة.
أما الطريق الذي يسلكه الراغب في تعلم فرع معين من العلوم، والذي يرغب الطالب أن يقوم هو بتدريسه يومًا من الأيام، فكان يبدأ في المساجد. فلم تكن المساجد مجرد أماكن تؤدى فيها الصلوات فحسب، بل كانت منبرًا للعلوم والمعارف، كما ارتفعت فيها كلمات الرسول فوق مجد التدين الأعمى. ألم يقل محمد أقوالًا، كان يكفي لأن يقولها في رومة حتى يحاكم عليها بتهمة الهرطقة. أو ليس هو القائل: بأن حبر الطالب أقدس من دم الشهيد؟!
وحول أعمدة الجامع كان يجلس الأستاذ ويلتف حوله طلبته، حلقة أبوابها مفتوحة لمن يشاء، رجلًا كان أو امرأة، ولكل الحق في سؤال الأستاذ أو مقاطعته معارضًا. وكان هذا النظام أكبر دافع للأساتذة يدفعهم دائمًا للإعداد المتقن لدروسهم والتعمق فيها ...
وحول أعمدة المساجد أتيحت للطلاب دائمًا فرصة الاستماع إلى الأساتذة الزائرين من كل أنحاء العالم العربي المترامي الأطراف. سواء أكان هؤلاء العلماء في طريقهم إلى الحج أو مسافرين خصيصًا لهذا الغرض، يجوبون أنحاء العالم الإسلامي من سواحل بحر قزوين إلى سواحل الأطلسي، ومنهم المؤرخون والجغرافيون، ومنهم علماء الحيوان والنبات والباحثون في تراث الأدب القديم ...
لقد قدم العرب، بجامعاتهم التي بدأت تزدهر منذ القرن التاسع، والتي جذبت إليها منذ عهد البابا سلفستر الثاني عددًا من الغربيين من جانبي جبال البرانس، ظل يتزايد حتى صار تيارًا فكريًا دائمًا، فقدم العرب بها للغرب نموذجا حيًا لإعداد المتعلمين لمهن الحياة العامة وللبحث العلمي.
لقد قدمت تلك الجامعات - بدرجاتها العلمية، وتقسيمها إلى كليات، واهتمامها بطرق التدريس - للغرب أروع الأمثال، ولم تقدم هذا المظهر فقط، بل وفرت له كذلك اللباب: مادة الدراسة [1] .
وإذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه، كما يقال دائمًا، فإن ما سطره الدكتور لويس يونج في
(1) ... شمس العرب تسطع على الغرب: (ص 369 - 374، 393 - 398) [كان من اللازم أن يكون عنوان هذا الكتاب: شمس الله تسطع على الغرب، حيث أنه في أصله الألماني: