الصفحة 12 من 70

مقدمة كتاب: العرب وأوروبا، لكفيل بإعطاء فكرة معقولة عن محتوى هذا الكتاب.

يقول لويس يونج: «قصة التفاعل بين حضارتي العرب وأوربا معقدة وشائكة وطويلة: وهي إذ تبدو قصة فتوحات وإعادة فتوحات، فإنها تأخذ أحيانًا أشكال مبادلات ثقافية متناوبة، أخذًا وعطاءً.

ونحن حينما نسلم اليوم أن آسيا وأفريقيا تتمثلان أوروبا قدوة لهما، يجب ألا ننسى الوجه الآخر للصورة في العصور الوسطى، عندما عكفت أوروبا على علوم العرب من طب وفلسفة وطبيعة، واستمر ذلك لفترة طويلة. حتى إذا كان القرن الثامن عشر قبست منهم نار الرومانطيقية، وفي القرن التاسع عشر سلبتهم أراضيهم، ثم بترولهم في القرن العشرين.

وعلى الرغم من سجل أوروبا الطافح بالتزمت الفكري واللا تسامح الديني، على النقيض من المسلمين، فإنها ظلت ترفض الاعتراف بما للعرب من يد طولى على حضارتها، وتتجاهل دورهم الحضاري، وتقلل من شأنه.

لقد هول المؤرخون الأوربيون في وصفهم الفتوحات الإسلامية في أوروبا خلال العصور الوسطى ومدى تهديدها للدين المسيحي، بينما تغافلوا عن ظاهرة انتكاس الحضارة في البلدان التي أجلي العرب عنها. وما أسبانيا والبرتغال وصقلية إلا أمثلة لذلك.

ففي أسبانيا يسود التعصب الديني وتعذيب الحيوانات (كمصارعة الثيران) كمشهد مألوف. وفي البرتغال أعلى نسبة للأمية في أوروبا، وفي صقلية عصابة المافيا السيئة السمعة.

ما الذي تركته حضارة العرب والمسلمين في أوروبا؟.

لقد تركت بصماتها على جميع المستويات، ابتداء من الفولكلور، كراقصي الموريش الإنكليز الذين هم في الحقيقة قناع لراقصي البربر، وانتهاء بالعلوم حيث يستخدم ملاحو الفضاء اصطلاحات عربية مثل: السمت، وسمت الرأس، وهناك في خرائط القمر أكثر من موقع أطلق عليها أسماء لبعض العلماء لعرب: كالزركلي والبتاني وأبي الفداء.

إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية، منها نظرة العرب المتسامحة وعدم تمييزهم فروق الدين والعرق واللون.

وسوف أحاول في الصفحات التالية أن أقدم الخطوط العريضة للتاريخ العربي والمجتمع الإسلامي، وما أرساه العرب من أسس أولًا. كما سأشير، ثانيًا، إلى أهم الطرق والأساليب التي أثرت بواسطتها حضارة العرب في الحضارة الأوروبية، وكيف أثرت أوروبا بدورها في الحضارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت