إن الحضارة أخذ وعطاء. ولا يستطيع أحد من البشر اليوم - كائنًا من كان - ممن يعيش في هذا العالم المتواصل، أن يدعي أنه هو وحده صانع الحضارة سيد العالم ومدبر شئونه.
إن التاريخ خير شاهد على أن الحضارة دورات، كما أن قيام الإمبراطوريات وانهيارها دورات، وينطبق عليها ما ينطبق على الإنسان من تردده بين حالات: ضعف ثم من بعد ضعف قوة، ثم من بعد القوة ضعفًا وشيبة! ومتحضروا اليوم كانوا متخلفي الأمس، والعكس بالعكس. ولنذكر من التاريخ القريب حادثتين اثنتين، ومثلهما كثير. فمنذ نحو 400 عام فقط - عندما كان جنون الخوف من النساء المتشيطنات يجتاح أوروبا، ناقش برلمان باريس في عام 1578 قضية جان هارفيير التي سبق أن أحرقت أمها بزعم أنها تعاشر الشيطان جنسيًا! وباعتبارها ابنة لتلك الأم، فقد تعرضت للجلد بأمر البرلمان. ولقد اضطهدها المجتمع ونبذها، فأجبرت على التحرك من مسكن إلى آخر، وعلى تغيير اسمها، لدرجة أن اختلت قواها العقلية فاعترفت أنها كانت تمارس الجنس مع الشيطان. ومع ذلك فقد تعرضت لسلسلة التعذيب الوحشي الذي يجب أن تخضع له مثل أولئك الضحايا البائسات الأوروبيات.
ومنذ نحو 180 عامًا فقط، عندما أضيئت شوارع مدينة كولونيا الألمانية بالغاز لأول مرة، خرجت «صحيفة كولونيا - Kolnische Zeituong» في 28 مارس 1819 تندد بهذا العمل من منطلق ديني باعتبار «أن الإنسان في هذه الحالة قد حطم إرادة الله التي قضت بأن يكون الليل مظلمًا» [1] ! ..
مثلان فقط دلالاتهما واضحة تمامًا لما كان عليه الحال في الأمس القريب لاثنين من أكبر مراكز الحضارة اليوم، وهما فرنسا وألمانيا.
إن الغرب المسيحي ينظر إلى العالم اليوم - وخاصة عالم الإسلام - باستكبار وغرور، وهو يريد الهيمنة عليه وإعادة تشكيله وفق قيمه ونظم حياته.
تقول مجلة الشئون الدولية البريطانية: «إن القضية هي ما إذا كان من الممكن جعل الإسلام يقبل بقواعد المجتمع العلماني - من خلال صراعات كثيرة وطويلة ومؤلمة - أم أن رسوخ الإسلام في المجال السياسي والاجتماعي يجعله يرفض قبول المبدأ المسيحي الغربي الذي يميز بين ما لله وما لقيصر؟!
ويعكس هذا الطرح إلى أي مدى يميل الفكر الغربي إلى جعل الحضارة المسيحية اليهودية الغربية