يعرف التحضر، في أبسط صوره، بأنه الارتقاء بالإنسان من حالة التوحش والبداوة والجهل إلى ما هو أفضل، وذلك بالتعليم والتهذيب والعيش في نظام اجتماعي قادر على تيسير الحياة وتطويرها ....
ويقول ي. هل في كتابه: «الحضارة العربية» : «الحاجة أم الحضارات الإنسانية، ذلك أن التنفس البشرية فطرت على شوق لا حد له إلى الرفاهية والسيطرة والجمال والحق. وهذه الغايات هي الأهداف الأخيرة لكل طموح إنساني، والسعي إليها هو العلة الجوهرية في ارتقاء الإنسانية.
فالمثل الأعلى للإنسان يكمن وراء عدة لا يحصى من الحاجات، وكلما حصل على واحدة منها اتسع مجال طموحه إلى ما يليها.
وعلى هذا النهج تسير الحضارات كلها: الحاجات الجديدة تؤدي إلى وجود أهداف جديدة، والكدح في سبيل هذه الحاجات هو الطابع الذي يميز الحضارة، والحصول عليها هو خلق للحضارة نفسها، وإدخال أقوال آخرين في مجالها هو نشر لهذه الحضارة [1] .
إن النظر إلى الحضارة من هذا المنطلق إنما ينبع من مفهوم مادي بحت بالدرجة الأولى، وإن تخللته بعض اللمسات الفكرية التي تتحدث عن الحق والجمال. وهو تقرير خاطئ لأنه أسقط من حسابه العنصر الرئيسي المسئول عن الوجود الإنساني نفسه، وكل تقرير أسقط عنصرًا من العناصر المؤثرة في عملية ما يعتبر تقريرًا خاطئًا بلا جدال.
إن حضارة صنعها الإنسان بهذا المفهوم، لهي حضارة مقضي عليها بلا شك، لأنها لم تتعد أن تكون حضارة المتاع ...
لقد نسي الإنسان خالق الوجود .. لقد نسي الإله .. !
وماذا بقي بعد ذلك، بل وأي معنى لوجوده، إذن، وفيم الكفاح؟!
إن الإنسان لا يقف وحده، في هذا الكون، كما ادعى هكسلي، ومن سبقوه، ومن جاءوا بعده ....
ومن هنا كانت حضارة الإسلام مختلفة عن غيرها من الحضارات، وحق لها أن تسمى باسم: حضارة لا إله إلا الله ...
ونقطة البدء فيها أن يعلم الإنسان: {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] .
(1) ... نقله إلى العربية: الدكتور إبراهيم أحمد العدوي - ص 11.