وهكذا، دمرت الحضارة الغربية الإنسان الذي جعلته محورها، فضلت الطريق بعد أن رأت نفسها قد استغنت عن الإله!
لقد أوجد الإسلام حضارة إسلامية، كما رأينا سلفًا، ونظرًا لكون الإسلام دينًا بلا كهانة، فقد ضمن للمسلمين، النجاة من مخاطر ما يعرف باسم الحكومة الدينية التي عرفها الغرب المسيحي قرونًا طويلة وعرف ما اشتهرت به من اضطهاد لأحرار الفكر ورجال العلم. إن هذه الحقيقة الخطيرة تغيب عن كثير من الكتاب والباحثين - إما جهلًا أو تجاهلًا متعمدًا - سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
يقول مارسيل بوازار: «إن السيادة، حسب المصطلح الغربي - تعني سلطة وحيدة لا يعلى عليها، تجمع كل النزعات والقوى داخل المجتمع. وأما في العقيدة الإسلامية، فإن الله هو المصدر الأسمى لهذه السيادة، والتعبير عن إرادته ماثل في القرآن. وليس للنبي ولا خلفائه والرؤساء الدينين أي سلطة إلا بالتفويض.
ولما كانت الشريعة مفروضة على الجميع، فإن كل مؤمن هو خليفة الله في الأرض. وأولوا الأمر في المجالين الروحي والزمني (الديني والدنيوي) لا يملكون سلطة مطلقة، وإنما هي في خدمة الجماعة لتنفيذ أحكام الشريعة. وليس في وسعهم أن يدعوا أي عصمة في تفسير التوجيهات الإلهية، لأن هذه العصمة تكمن في إجماع الأمة.
إن الجماعة المسلمة لم تنشئ أبدًا، لا نظريًا ولا علميًا، حكومة دينية (ثيوقراطية) ، كما زعموا ذلك في أكثر الأحيان بغير حق في الغرب. إن المصطلح ذاته (حكومة دينية) فيه مفارقة، فالخليفة ليس رئيسًا دينيًا. وفوق هذا لم يحدث أبدًا أن حكمت المجتمع الإسلامي طبقة كهنوتية لسبب واضح وهو أن الكنيسة مؤسسة غريبة عن الإسلام.
فالحكومة الإسلامية ليست حكومة «دينية» حيث أن صلاحيتها الوحيدة هي تطبيق الشريعة الموحى بها.
وهكذا تتميز السلطة هنا عن النظام الديمقراطي (الغربي) بالمعنى المتعارف عليه بوجه عام، لأنها تفرض نظريًا بعض المؤسسات، كما تفرض عمليًا عددًا من المعايير الأخلاقية. بينما تسمح