نعرض في هذه الدراسة الموجزة لبعض البحوث التي قام بها نخبة من علماء الغرب ومفكريه عن خصائص الحضارتين الإسلامية والغربية. ولسوف يجد القارئ أن كثيرًا من هؤلاء العلماء قد أحاطوا علمًا بالحضارة الإسلامية واستوعبوها أكثر من كثير من المسلمين، وخاصة تلك العصابات الثقافية التي تتصدر الجزء الأكبر من ساحة الريادة الفكرية والتربوية والإعلامية على امتداد العالم الإسلامي كله، ولا هم لها إلا التنكر للإسلام وطمس معالم الحضارة الإسلامية.
أولًا: الحضارة الإسلامية قامت على الإسلام:
1 -يقول هربرت فيشر [1] في كتابه: تاريخ أوروبا:
«لقد وصلنا الآن إلى نقطة يصبح عندها تاريخ أوروبا معقدًا بسبب انتصارات الدين الإسلامي. ففي خلال القرون الستة الأولى من التقويم المسيحي ما كان يمكن لأي سياسي متميز في أوروبا بأن يجد فرصة يتذكر بلاد العرب» .
ولكن ما إن انقضت مائة عام حتى استطاع هؤلاء المتوحشون المغمورون أن يصبحوا قوة عالمية عظمى .. وما بين أحد طرفي أوروبا حتى طرفها الآخر، وجدت الدول المسيحية نفسها تواجه التحدي من حضارة شرقية جديدة تأسست على دين شرقي جديد [2] . وخلال السنوات الأولى من التوسع العربي، ما كان الفاتحون في حاجة إلى بذل مجهود كبير لكسب مهتدين إلى الإسلام. فعلى العكس من ذلك كان نجاحهم في الحكم متوقفًا إلى حد كبير على سياستهم الحكيمة في التسامح التي مارسوها تجاه اليهود والمسيحيين ...
وهكذا انتشرت الحضارة الإسلامية، وكانت مراكزها السياسية: في دمشق تحت حكم الأمويين، وفي بغداد تحت حكم العباسيين، وفي مصر تحت حكم الفاطميين .. ولقد ساهم فيها السوريون والفرس والترك والبربر والأسبان ليقدموا جميعًا [3] العصر الرائع للآداب والفنون
(1) ... مؤرخ وسياسي انجليزي. عمل بعد الحرب العالمية الأولى مندوبًا مفوضًا لدى عصبة الأمم ثم عميدًا لكلية New College في جامعة أوكسفورد.