ومن جهة أخرى، ترتبط الثقافة بسياقها الاجتماعي والمعرفي والحضاري. أي: هناك عملية تبادل وتفاعل بين الثقافة والمجتمع؛ فالثقافة تؤثر في المجتمع، والمجتمع يؤثر في الثقافة. ويعني هذا كله أن الثقافة تعكس مختلف الصراعات والتطاحنات والتناقضات الجدلية التي توجد في المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية أم فكرية ... ومن ثم، تعبر الثقافة عن واقعها أو معادلها الموضوعي بطريقة انعكاسية مباشرة كما هو الحال في الكتابات الواقعية الساذجة، أو بطريقة مادية جدلية بمفهوم كارل ماركس (Karl Marx) ، أو بطريقة تماثلية متوازية (Homologie) بمفهوم لوسيان كولدمان (Lucien Goldmann) .
إذاُ، تحمل الثقافة، في طياتها، أبعادا طبقية واجتماعية وإيديولوجية، فضلا عن مقصديات ونوايا وخلفيات مباشرة وغير مباشرة.
إذًا، ما الثقافة لغة واصطلاحا؟ وما علاقتها بالحضارة؟ وما أهم مفاهيم الثقافة؟ وما أهم محددات الثقافة؟ وما أهم العوامل التي تتحكم في عملية التغير الثقافي؟ وما أهم المقاربات الأنتروبولوجية والسوسيولوجية التي اهتمت بالفعل الثقافي؟ هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ (سوسيولوجيا الثقافة) ، على أساس أن الثقافة تتأثر بأوضاعها المجتمعية إيجابا وسلبا من جهة، وأن الثقافة لها دور كبير في المحافظة على المجتمع أو تثويره أو تغييره من جهة أخرى.
وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.