من المعروف أن الثقافة خاصية إنسانية واجتماعية مكتسبة بالتعلم والدربة والمران والصقل، قائمة على معارف خلفية، وأنساق تناصية متعددة، وحقول مركزية وفرعية تتصارع فيما بينها من أجل تحقيق الهيمنة. علاوة على ذلك، فالثقافة نسق كلي أو نظام سيميائي رمزي ومنفتح، تتداخل فيه مجموعة من الحقول والأنساق المركزية والفرعية، ولايمكن للمثقف الخوض في أي نسق معرفي أو ثقافي إلا بتمثل الهابيتوس الثقافي، أو امتلاك مجموعة من الاستعدادات والتصورات الفطرية والمكتسبة لفهم لعبة الأنساق الثقافية المتصارعة والمتنافسة فيما بينها. ومن هنا، فالثقافة هي نسق ونظام وحقل ثقافي كلي، يتفرع إلى مجموعة من الحقول والأنساق الفرعية الأخرى.
وتتميز الثقافة بالنمو والتغير والتحول والانتشار والتطور، على أساس أن المجتمعات البشرية خاضعة للتطور المستمر، والنمو الديناميكي الفاعل. لذلك، فالثقافة بدورها تتغير مع تغير المجتمع. وهنا، يمكن أن تسهم الثقافة في تغيير المجتمع جزئيا أوكليا، أو يقوم المجتمع أيضا بتغيير الثقافة، أو تتغير الثقافة والمجتمع في الوقت نفسه. ولا ننسى أن الثقافة تنتشر من مكان إلى آخر حسب النظرية الأنتروبولوجية الانتشارية التي يمثلها كل من: فرانز بواس (Franz Boas) وويليام ريفير (William H. R. Rivers) . أي: لاتمكث الثقافة في مكان واحد، بل تنتقل من مكان إلى آخر. فقد انتقلت الحضارة من العراق إلى مصر وفارس واليونان وشبه الجزيرة العربية، لتنتقل فيما بعد إلى باقي الدول والمناطق الأخرى. ويعني هذا أن الثقافة تنأى عن الثبات والمحافظة والتقوقع والانعزالية ... وقد يكون الانتشار الثقافي بالتقليد والمحاكاة والإضافة والتعديل والتطوير والتجديد والإبداع والابتكار.